الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

430

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الظاهري ، لأن القلب أشدّ إدراكا من العين كما لا يخفى ، ولذا كانت المعاني الجميلة المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة ، فلا محالة تكون لذة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الجميلة الإلهية التي تجلّ عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ . ولذا نرى أن الطباع السليمة والعقول الصحيحة أكثر ميلا إلى مدركات العقل من مدركات العين ، وعليه فحب الجمال والحسن ، المعنويين والظاهريين مطلوب لكل عاقل بصير مدرك لذلك الجمال والحسن لما يدرك منهما اللذة الروحية ، واللذة بنفسها محبوبة لنفسها لا لغيرها ، بل كل شيء إنما يكون محبوبا لما يرى فيه من الجمال فهو مطلوب بالغير ، بخلاف الجمال فإنه محبوب بنفسه وإن لم يستفد منه قضاء وطر كالخضرة والماء الجاري فهما محبوبان لا للشرب أو الأكل بل لأنفسهما ، فلا وجه لما قيل من أن الجمال محبوب لأجل قضاء الشهوة فإن هذا ( أي قضاء الشهوة ) مطلوب آخر . وبعبارة أخرى : إن قضاء الوطر مطلوب لنيل لذة الجمال ، لا أن محبوبية الجمال لأجل نيل قضاء الوطر ، ولذا كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله تعجبه الخضرة والماء الجاري وذلك لاستلذاذ النظر إليهما ، بحيث ربما تنفرج عن الناظر الغموم والهموم فيحبهما الإنسان لا لطلب وراء حظ النظر ولذا قيل : ثلاثة يذهبن عن قلبي الحزن الماء والخضراء والوجه الحسن وروي : " عليكم بالوجوه الحسان " فإن هذه الأمور مطلوبة بنفسها لا لشيء آخر مثل قضاء الوطر مثلا . إذا علمت هذا فاعلم أن أجل اللذات وأعلاها معرفة اللَّه تعالى ، والنظر إلى وجهه الكريم ، فمن شاهد جمال وجهه وجلال عظمته وأدركهما بعقله وشاهدهما ببصيرته القلبية لا تكاد تؤثر عليه لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة . فإذا لا ينكر