الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

431

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

حبّ اللَّه إلا من قعد به القصور في درجة البهائم ، فلم يجاوز إدراكه الحواس ، ودعوى أن المحبة لا تكون إلا مع الجنس والمثل ، وحيث إن الخلق لا يجانس الخالق ولا يماثله فلا محالة لا يحبه وإنما حبّه له عبارة عن المواظبة على طاعة اللَّه عز وجل فدعوى باطلة ، ولعل قائلها توهم أن محبة اللَّه كمحبة أهل الشهوة لمماثلهم في قضاء الوطر جهلا عن أن هذا في الجمال المدرك بالحواس كما تقدم . وأما الجمال المدرك بالعقل خصوصا مع المعرفة القويّة فهو جمال ملذّ لا يقاس به غيره إلا من قعد به القصور في درجة الحيوانات واللذات النفسانية ، فإذا لا لذة أشد من معرفته تعالى ، وإدراك جماله وجلاله بل نقول : إن المحبة له تعالى هي الغاية القصوى من المقامات المندوبة إليها ، والذروة العلياء من الدرجات فما بعدها مقام إلا وهو ثمرة من ثمراتها كالشوق والأنس ، ولا قبلها مقام إلا وهو مقدمة من مقدماتها كالصبر والزهد وساير المقامات . نعم : قلّ من العقول ما وصل إليها إلا أنه مع ذلك لا تخلو القلوب عن الإيمان بإمكانها ، بل وعن الوجدان بأصلها وحقيقتها المبهمة في القلب كيف وكل قلب جبل على حبّ منعمه كما حقق في محلَّه . ولعمري إن من أنكر حبّ اللَّه فلا محالة ينكر الإنس به تعالى والشوق إليه تعالى ، ولذة المناجاة معه تعالى وهذا الجاهل بعيد عن حقيقة العبادة والعبودية ، محروم عن الألطاف الربوبية في الدنيا والآخرة ، ومحروم عن لذة العبادة له تعالى كما لا يخفى ، مع أن الأحاديث متكاثرة على أن أولياء اللَّه يأنسون به تعالى ، ويلتذون بعبادته ، ويشتاقون إليه تعالى . وكيف يمكن إنكار ذلك مع أن الأحاديث والآيات أثبت إمكان محبته تعالى بل وقوعه بما لها من الآثار . أما الآيات : قوله عز وجل : يحبهم ويحبونه 5 : 54 وقوله تعالى : الذين آمنوا أشدّ حبّا للَّه 2 : 165 وقوله تعالى : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم 9 : 24 إلى قوله :