الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

429

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

فعلم : أن الغاية القصوى للخلق التي هي المعرفة الكاملة التامة ، ليست إلا ظاهرة في ذواتهم المقدسة بالنحو الأتم الأكمل فهم عليهم السّلام العلة الغائية للخلق أي أن المقصود الغائي له تعالى في الخلق لا يكون إلا فيهم عليهم السّلام كما لا يخفى . ولعمري إن هذا ظاهر لمن تتبع الآثار الواردة عنهم بنحو أبين من الشمس ، وحيث إنهم كذلك فهم عليهم السّلام " التامين " في محبته تعالى . ثم إنه لا بد من أن يعلم أن محبوبهم عليهم السّلام هو الذات المقدسة لذاته ، المستجمعة لملاكات المحبوبية وأسمائه تعالى ، لحسنها وأفعاله تعالى لكمالها : وذلك لما تقدم من أن ملاك المحبوبية بأجمعها مستجمعة فيه تعالى ذاتا وصفة وفعلا ، وأنه تعالى أجمل من كل جميل ذاتا وصفة وفعلا ، والوجه فيه : أن النقص في حقه تعالى غير متصوّر لا من حيث الجمال ، ولا من حيث الجلال ، ولا من حيث أي أمر مرغوب فيه ، فهو تعالى بذاته وصفاته وأفعاله مستغرق في كمال العزّ والجمال والجلال بنحو لا نهاية له ولا انقطاع ، والآيات والأحاديث والأدعية وبيانات الأكابر من أهل المعرفة مشحونة في بيان ما قلنا ، فلا بد من المراجعة إليه ، وبيانه مفصّلا موكول إلى محله . ثم إنهم عليهم السّلام لما كانوا في مقام المشاهدة لهذا الجمال والجلال الإلهي ، ولتلك الصفات الحسنة والأفعال الكاملة بنحو لا يكون أحد في مستواهم ، ولا أحد أقرب إليه تعالى منهم ، فلا محالة هم عليهم السّلام مبتهجون به تعالى لتلك المشاهدة ، وتامّون في محبته بنحو لا يتصور فوقه محبة ، وسيجئ قريبا في الأمر الآتي مزيد بيان وتوضيح لهذه الأمور إن شاء اللَّه تعالى . الأمر الثالث : اعلم أن الحب عبارة عن الميل إلى الشيء الملذّ ، وكلما كان الملذّ أقوى في اللذاذة كان الميل أقوى إلى أن يصل حدّ الإفراط فيسمّى عشقا ، لذا قيل : إن الإفراط في كلّ شيء مذموم إلا في الحبّ ، وهذا الميل إنما يحصل بعد المعرفة بذلك الشيء الملذ الجميل ، وهذه المعرفة إما بالحواس الظاهرة أو بالعقل ، وكلما كان الدرك والمعرفة أقوى كان الحب أقوى والبصيرة الباطنة أقوى من البصر