الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
375
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
هويّات وجودية بسيطة وذوات مجردة عن المواد الجسمية ، مرتفعة عن عالم الأزمنة والأمكنة محيطة بهما وبغيرهما . ومن المعلوم أن كلّ مجرد أمر روحاني ووجود وعين العلم والإدراك ، كيف لا وهي مظاهر الأولية له تعالى في إراءة إدراكه وعلمه فهذه الأنوار تشعر بهما إشعارا . وأما حقيقة علمه وإدراكه تعالى المشار إليه بقوله : وهو يدرك الأبصار . وهو اللطيف الخبير 6 : 103 ( 1 ) فمما لا يوصل إلى حقيقته فهي لا محالة عقول قدسية وأرواح عالية ، وهي متصلة بالحق الأول اتصال الشعاع بالشمس ، وإنما وصفت بأنها تامّات ، لأن جميع ما لها من الكمال هو بالفعل ليس فيها شوب قوة استعدادية ولا كمال ينتظر ولا أحوال مترقبة الحصول ، وقد يعبر عنها بعالم الأمر كما يعبر عن الأجسام وما معها بعالم الخلق ، وإليها يشير قوله تعالى : ألا له الخلق والأمر 7 : 54 ( 2 ) . فجميع ما في عالم الأجسام إنما يصدر عن المبدإ الأعلى بواسطته ، والتعابير عنها وإن كانت مختلفة إلا أنها يشار بها إلى أمر واحد ، فمن حيث إنه يقع بها إعلام الحقائق من اللَّه تعالى يقال لها : الكلمات ، ومن حيث إنه يجب بها وجود الكائنات كلّ في وقته يقال لها : الروح ، قال : قل الروح من أمر ربّي 17 : 85 ( 3 ) وهي في ذاتها واحدة ، وما أمرنا إلا واحدة 54 : 50 وإنما يتعدد بتعدد الآثار أو باعتبار جهات فيضانها على الأشياء ، أو باعتبار تعلقاتها بها فيتكثّر بتكثّرها ، ولعلَّه إلى هذا التكثّرات يشير قوله تعالى : وأوحى في كلّ سماء أمرها 41 : 12 ( 4 ) كما لا يخفى . فهي كالوجود حقيقة بل نفسه تتكثّر بتكثّر الماهيات ، لا بأن يكون للماهيّات تأثير في الوجود بل باعتبار اتحاد المهيّة بالوجود كما حقق في محله .
--> ( 1 ) الأنعام : 103 . . ( 2 ) الأعراف : 54 . . ( 3 ) الإسراء : 85 . . ( 4 ) فصّلت : 12 . .