الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

366

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

والألف واللام مدغمان لا يظهران على اللسان ، ولا يقعان في السمع ، ويظهران في الكتابة دليلان على أن إلهيّته بلطفه خافية ، لا تدرك بالحواس ، ولا تقع في لسان واصف ولا أذن سامع ، لأن تفسير الإله هو الذي أله الخلق عن درك ماهيته وكيفيته بحس أو بوهم ، لا بل هو مبدع الأوهام وخالق الحواس ، وإنما يظهر ذلك عند الكتابة دليل على أن اللَّه سبحانه أظهر ربوبيته في إبداع الخلق ، وتركيب أرواحهم اللطيفة في أجسادهم الكثيفة ، فإذا نظر عبد إلى نفسه لم ير روحه كما أن لام الصمد لا تتبيّن ولا تدخل في حاسّة من الحواس الخمس ، فإذا نظر إلى الكتابة ظهر له ما خفي ولطف . فمتى تفكَّر العبد في ماهية الباري وكيفيته أله فيه وتحير ، ولم تحط فكرته بشيء يتصور له : لأنه عز وجل خالق الصور ، فإذا نظر إلى خلقه ثبت له أنه عز وجل خالقهم ومركب أرواحهم في أجسادهم ، وأما الصاد فدليل على أنه عز وجل صادق وقوله صدق وكلامه صدق ، ودعا عباده إلى اتباع الصدق بالصذق ، ووعد بالصدق دار الصدق ، وأما الميم فدليل على ملكه وأنه الملك الحق لم يزل ولا يزال ولا يزول ملكه ، وأما الدال فدليل على دوام ملكه وإنه عز وجل دائم تعالى عن الكون ( 1 ) والزوال بل هو عز وجل يكوّن الكائنات الذي كان بتكوينه كلّ كائن . ثم قال عليه السّلام : لو وجدت لعلمي الذي آتاني اللَّه عز وجل حملة لنشرت التوحيد والإسلام والإيمان والدين والشرائع من الصمد ، وكيف لي بذلك ولم يجد جدّي أمير المؤمنين عليه السّلام حملة لعلمه حتى كان يتنفس الصعداء ويقول على المنبر : سلوني قبل أن تفقدوني ، فإن بين الجوانح مني علما جمّا هاه هاه ، ألا لا أجد من يحمله ، ألا وإني عليكم من اللَّه الحجة البالغة ، لا تتولوا قوما غضب اللَّه عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور 60 : 13 . ثم قال الباقر عليه السّلام : الحمد للَّه الذي منّ علينا ووفّقنا لعبادته الأحد الصمد ، الذي

--> ( 1 ) المراد من الكون الحدوث والتغيّر كما لا يخفى . .