الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

340

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

ومن هنا يعلم أن أهل السير الذين يفشون الأسرار ، فإنما هو لنقصهم وعدم بلوغهم إلى الكمال ، وإلى حالة الصحو المذكور . وأما الكاملون فهم دائما في حال المشاهدة ، ومع ذلك يكتمون الأسرار ، فلا يظهر منهم فعل يوجب كشف أسرارهم ، وهذا يعلم من حال نسوة أهل مصر وحال زليخا حيث إن النسوة قطعن أيديهن لمشاهدة جمال يوسف ، لما عرضت لهن حالة الدهشة والوله ، وهذا بخلاف زليخا فإنها مع أنها كانت أشدّ حبّا له منهن ما قطعت يديها مع أنها كانت في مقام مشاهدة الجمال اليوسفي ، وذلك لأنها كانت في مقام الصحو بعد السكر كما لا يخفى . هذا وقد يقال : إن المراد من صفة التوحيد هو أن يرى العبد الضرر والنفع ، والعزة والذلة ، والفقر والغناء ، والمرض والصحة ، والبلاء والرخاء كلَّها منه تعالى فتساوى عنده جميع تلك الصفات المتضادة ، لأنه يرى كلَّها من قبل محبوبه وهذا مقام التسليم والرضا . قال الشاعر : ومن الدلائل أن تراه مسلما كلّ الأمور إلى المليك العادل ويدل عليه وعلى مدحه ولزومه أحاديث كثيرة كما لا يخفى . الأمر الثالث : لا ريب في أن صفة التوحيد تحكي عن الواحد الأحد المتفرد بالذات ، الذي لا رسم له ولا اسم ، ولا يشار إليه لعدم غيره هناك بل ليس هناك إلا وجود محض بلا صورة ورسم فصفة التوحيد بما لها من مقام الوحدة الواحدية جارية في الخلق ، وأما موصوفها وهو الوحدة الأحدية ليس إلا وجود محض بحت فحينئذ نقول : قد يصل العبد إلى مقام صفة التوحيد بنحو تقدم بيانه . وقد يجذبه الربّ إلى مقام الأحدية أي يرفع عنه صفة التوحيد ، ولا يبقي له إلا حقيقة التوحيد ومقام الأحدية ، فالعبد حينئذ لا يرى نفسه أبدا ، بل الجذبة