الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
280
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
قوله عليه السّلام : ومساكن بركة اللَّه . أقول : المساكن جمع مسكن وهو محل الاستقرار والسكون بدون تحوّل وانتقال ، أي بركة اللَّه ساكنه ومستقرة عندهم ، ويمكن أن يراد من إضافة المسكن إليها الإضافة البيانية ، فإنهم عليهم السّلام نفس البركة وتلك المساكن هي نفس البركة التي تجري للخلق . وأما البركة فقد تقدم أنها بمعنى النماء والزيادة والسعادة والنفع ، وعن المجلسي الأول : أي بهم عليهم السّلام يبارك على الخلائق بالأرزاق الصورية والمعنوية ، كما تدل عليه الأخبار المتواترة ، ونبّه عليه المحقق الدواني في شرح الهياكل . أقول : قد تقدمت أحاديث كثيرة عن التوحيد وغيره تدل على أن الأرزاق بقسميها إنما تصل إلى الخلق بواسطتهم وهذا لا ريب فيه ، ولكن هذا ليس معنى لبركة ، بل هو مقتضى كونهم وسائط الفيض المستفاد من كثير من الأخبار . وأما البركة فقد علمت أن معناها النماء والزيادة والسعادة والنفع ، وهذه الأمور كما ترى هي صفات وآثار للأرزاق المعطاة للخلق لا نفس الأرزاق ، فحينئذ معنى العبارة أن الأرزاق بجميع معانيها على قسمين : أحدهما : ما لا بركة فيه ، فإنا نرى كثيرا من أرزاق العباد بقسميها لا يكون ذا بركة فلا نمو لها ولا زيادة ، ولا يسعد بها صاحبها ولا ينتفع بها ، سواء أكانت مادية أو معنوية ، فترى من له مال كثير لا بركة له ، فلا نمو له ولا زيادة ، فلا ينتفع صاحبه منه ولا يسعد به ، وكذا الأرزاق المعنوية فنرى من له العلم والعقل والفهم ومع ذلك لا يستفيد منها . فهو إما مصداق لقوله تعالى : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا 62 : 5 ( 1 ) حيث لم يستفد من علمه ، أو مصداق لقوله تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها
--> ( 1 ) الجمعة : 5 . .