الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
274
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
المعبر عنه بقوله تعالى : ونفخت فيه من روحي 15 : 29 ( 1 ) فالروح المضاف إليه هو وصفه تعالى . وهذا التعرّف والتعريف الذي هو ذات العبد أحدثه اللَّه تعالى بفعله ، يعني أنه صفة الفعل الخاص به ، وفرد من الفعل المطلق له تعالى ، وهيئة من هيئات أفعاله تعالى ، فمثل العبد وذاته كمثل الكتابة التي هي هيئة حركة يد الكاتب ، فهيئة الكتابة تدل على هيئة حركة اليد ، فهيئة ذات العبد التي هي تعرف إليه ، وتعريفه تعالى هيئة مشيته تعالى الخاصة بهذا العبد فذاته أثر مشيته تعالى ومعلولها ، فالأثر يدل على المؤثر الذي هو الفعل أي المشية الخاصة مثلا ، والفعل يدل على الفاعل ، لأن الفعل هو ظهور الفاعل وأثر منه . فتحصل أن ذات العبد التي هي أعلا مراتب وجوده ، وحقيقته الأولية هي معرفة اللَّه أي تعرّفه وتعريفه تعالى ، لأنها ذات العبد وصفته تعالى ، والصفة ما بها معرفة الموصوف ، وإلى هذا لعلَّه يشير قوله عليه السّلام : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " حيث جعل معرفة النفس عين معرفة الرب ، وذلك لأن النفس هي صفته تعالى وتعرفه وتعريفه بنحو ما ذكر ، فتحصل أن ذات كلّ أحد هي معرفة اللَّه . ثم إنه عرّف نفسه لخلقه بخلقه وتجلى لهم بهم كما في النهج : لم تحط به الأوهام ، بل تجلى بها لها ، وامتنع بها منها ، ولكن هذا التعرف والتجلي المذكور له مراتب ، فكلّ يعرف اللَّه تعالى على قدر ما في ذاته من صفته تعالى ، ولما كانت أرواح الأئمة عليهم السّلام بل الأربعة عشر وذواتهم من أتم مظاهره تعالى كما علمت من قول علي عليه السّلام : " ما للَّه آية أكبر مني ، " فلا محالة أن ذواتهم المقدسة هي معرفة اللَّه بالقول المطلق ، لأنه تعالى تعرف بهم لهم ولخلقه بالنحو الأتم الأكمل وبالتجلي الأعظم فيهم عليهم السّلام . فتحصل أنهم معرفة اللَّه تعالى ، وحينئذ فإضافة المحل إليهم بلحاظ أن الشيء محل نفسه ، فالإضافة بيانية ، فكونهم عليهم السّلام محال معرفة اللَّه أي أنهم معرفة اللَّه .
--> ( 1 ) الحجر : 29 ، سورة ص : 72 . .