الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

22

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وفيه بإسناده عن المفضل بن عمر قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : " من وجد برد حبنا على قلبه ، فليكثر الدعاء لأمّه فإنها لم تخن أباه . " هذا بعض الأحاديث في تفسير النعم ظاهرة وباطنة . وربما يقال : إن النعم الباطنة هي الألطاف التي شملت الإنسان من حين كونه خلقا روحيا قبل تعلقه بالبدن كما سيجيء ، إلى أن تعلق به من لدن كونه نطفة إلى أن صار مولودا خارجيا . وهكذا بالنسبة إلى ساير عوالمه الآتية والنعم الظاهرة ، وما أنعمه الله به عليه من لوازم وجوده ، وما به رفع حاجاته المادية بأنواعها ، وهي أكثر من أن تحصى . وهذا بالنسبة إلى جميع الموجودات ، فإن لها جهتين ظاهرة وباطنة ، ففي كل منهما لها ألطاف منه تعالى بها قوام أمره . وكيف كان فجميع تلك الألطاف يصل إليها بواسطتهم عليه السّلام فهم فيها أولياء النعم . وقد يقال : إنّ النعمة الباطنة هي العقول ، والظاهرة هي الأنبياء والرسل ، أي علومهم ومعارفهم ، التي وصلت منهم إلينا كما ورد التفسير بهما في قوله تعالى : وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة 31 : 20 . ثم إنه يدخل في النعم الباطنة جميع علوم القرآن وما للأئمة عليه السّلام وما منحه اللَّه للأولياء من العقول ، التي بها تحصل المعارف ، والتمييز بين الجيد والرديء والخير والشر ، والناصح والغاش ، والمصلح والمفسد ، والضارّ والنافع في العاجل وفي الآخرة . وهذه العقول لحظات وعنايات من الولي ، ومناداة للمكلفين من جانب العقل الأول المحيط وهو حقيقتهم ، وهذه هي أعظم نعم اللَّه تعالى على أهل المعرفة ، ومن لم يخالف مقتضياتها ، بل هذا هو النور الذي يمشي به المؤمن في ظلمات النفوس من شهواتها ، وغواسق إنياتها ، وظلمات الطبايع ، والمواد الجسمانية .