أحمد بن محمد مسكويه الرازي
11
تجارب الأمم
والعلم كثير [ 1 ] فخذوا من كلّ شيء أحسنه . فإذا تأمّل المرء سيرة الماضين من الأقوام ، جنى مع تقارب الشهور والأيّام ، ثمرة ما غرسوه على تطاول الدهور والأعوام ، وعلم علل الأحوال وفوائدها ، وحيل الرجال ومكايدها ، وعرف مبادئ الأمور ومصائرها ، وقاس عليها أشباهها ونظائرها ، وعمل بأنفع ما حبى به من الفهم والعلم ، وانتفع بأصوب ما عمل به في الحرب والسلم ، وأقدم على المواطن التي يرتجى في أمثالها الظفر ، وأحجم عن الأماكن التي يتوقّى في أشكالها الحذر ، وتسلَّى بمن تدرّع الجلد عند حدوث النوائب ، وتأسّى بمن توقّع الفرج حين ظهور العجائب ، وذكر مصير العاقبة إذا أرخت يد الغفلة عنان أشره ، ونظر بالبصيرة الثاقبة إذ غطى غرور الدنيا على بصره . فهذان القسمان يجمعان الدين والدنيا ، ويبلغان بصاحبهما الدرجة العليا . فأمّا ما في ذلك من حسن المفاوضة والمذاكرة ، وأنس المحادثة والمسامرة ، فقد [ 8 ] خفّفت القول فيه لأنّه يصغر في جنب ما قدّمت ذكره من القسمين العظيمين ، والأمرين الجسيمين . كما * ( قال النبي صلعم : كل الصيد في جوف الفرا ) * [ 2 ] . وإنّنى تأمّلت كتاب تجارب الأمم وعواقب الهمم ، الذي صنّفه أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه ، فوجدت فوائده غزيرة ، ومنافعه كثيرة ، وعلمه جمّا ، وبحره خضمّا . فراقنى تأليفه ، وأعجبنى تصنيفه . فرحم الله مصنّفه وأجزل في الآخرة أجره كما طَّيب في الدنيا ذكره . فلقد اختار فأحسن الاختيار ، ومخض فأتى بزبد الأخبار . وسلك سبيلا وسطا بين التطويل والاختصار . ثم لم يقنع بذلك حتى قرّب مسالك الطرق البعيدة ، وبرز من أثناء الاختيار ذكر الآراء السديدة ، ونبّه فيها على ، مقامات حميدة ، وبين
--> [ 1 ] . هذا الرأي منسوب إلى بقراط اليوناني ( مد ) . [ 2 ] . في مد : الفراء ( بالمدّ ) ، وقاله ( ص ) متمثّلا . انظر : الميداني : رقم 3010 .