أحمد بن محمد مسكويه الرازي

488

تجارب الأمم

- « إن أجابكم إلى حفظه فإنّه بحيث تحبّون . » [ 560 ] فناظروه في ذلك فأجابهم إلى حفظه بدراهم معلومة ، وكان يحفظ لهم ويصلَّى أكثر نهاره ويصوم ويأخذ عند إفطاره من البقّال رطل تمر فيفطر عليه ويجمع نوى ذلك التمر . فلمّا حمل التجّار تمرهم صاروا إلى البقال فحاسبوا أجيرهم هذا على أجرته فدفعوها إليه فحاسب الأخير البقّال على ما أخذه من التمر وحطَّ من ذلك ثمن النوى ، ورآه أولياء التجّار فوثبوا عليه وضربوه وقالوا : - « ألم ترض أن أكلت تمرنا حتّى بعت النوى ؟ » فقال لهم البقّال : - « لا تفعلوا فإنّه ما مسّ تمركم . » وقصّ عليهم قصّته ، فندموا على ضربهم إيّاه ، وسألوه أن يجعلهم في حلّ ، ففعل وازداد بذلك نبلا عندهم لما وقفوا عليه من زهده . ثمّ مرض فمكث مطروحا على الطريق ، وكان في القرية رجل يحمل على ثور له أحمر العينين ، فكان أهل القرية يسمّونه كرميثه [ 1 ] ، وهو بالنبطية أي حارّ العينين [ 2 ] فكلَّم البقّال كرميثه هذا أن يحمل العليل إلى منزله ويوصى أهله بالإشراف عليه . ففعل وأقام عنده حتّى برأ فكان يأوى إلى منزله . ودعا أهل القرية ووصف لهم مذهبه ، فأجابه أهل تلك الناحية . وكان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه دينارا ويزعم أنّ ذلك [ 561 ] للإمام فلمّا كثر أصحابه اتخذ منهم اثنى عشر نقيبا وأمرهم أن يدعوا الناس إلى دينهم وقال لهم : - « أنتم كحواريّى عيسى بن مريم . »

--> [ 1 ] . كذا في الأصل ومط : كرميثه . في الطبري : ( 13 : 2125 ) كرميته . [ 2 ] . في الطبري ( 13 : 2125 ) : أحمر العينين . وفى حواشيه : حارّ العينين .