أحمد بن محمد مسكويه الرازي
431
تجارب الأمم
القوم قد صعدوا وانهزم عنهم الزنج فليس في وجوههم من يردّهم فصاح به وانتهره وقال : - « اغرب عنّى ، فقد دخلك الجزع وانخلع قلبك فلست تدرى ما تقول . » وقد كان أمر جعفرا السجّان بالنداء في الزنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب ، فأتاه السجّان فأخبره أنّه ندب الزنج فخرجوا وظفروا بسميريّتين [ 1 ] . فأمره بالرجوع لتحريك الرجّالة . فرجع ولم يلبث إلَّا يسيرا حتّى أصيب [ 487 ] مفلح بسهم غرب لا يعرف الرامي ، ووقعت الهزيمة وكرّ الزنج وقووا على محاربتهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ووافى الخبيث زنجه بالرؤوس قابضين عليها بأسنانهم حتّى ألقوها بين يديه . فكثرت الرؤوس يومئذ حتّى ملأت كلّ شيء . وأتى الخبيث بأسير من أبناء الفراغنة ، [ 2 ] فسأله عن الجيش فأعلمه بمكان أبى أحمد الموفّق ، ومفلح فارتاع لذكر الموفّق وكان إذا راعه أمر كذّب به ، فقال : - « كذبت ، ليس غير مفلح ولو كان في الجيش من ذكر هذا الأسير لكان صوته أبعد ولما كان مفلح إلَّا تابعا له ، وأنا لست أسمع إلَّا باسم مفلح . » ولم يلبث مفلح أن مات . ووافى علىّ بن أبان في أصحابه وقد استغنى عنه . وهرب أبو أحمد الموفّق إلى الأبلَّة ، فأخذ يجمع من فرّقت الهزيمة ويجدّد الاستعداد . ثمّ مضى إلى نهر أبى الأسد وكان الخبيث لا يدرى كيف قتل مفلح . فلمّا بلغه أنّه أصيب بسهم ولم ير أحدا ينتحله ادّعى أنّه هو كان الرامي له فسمعه . من يقول : - « سقط بين يدي سهم فأمرت خادمي راحا أن يرفعه إلىّ ، فرميت به
--> [ 1 ] . في مط : بتسمرتين . وهو تصحيف وخطأ . [ 2 ] . انظر الطبري ( 12 : 1864 ) .