أحمد بن محمد مسكويه الرازي

409

تجارب الأمم

- « هل رأيت أصبر من هذين قطَّ ؟ والله إنّا لنؤتى بالذين قاسوا غلظ المعيشة وكدّها فما يصبرون هذا الصبر وهؤلاء أهل الخفض والكنّ والنعمة . » قال : فقلت : - « يا أمير المؤمنين ، هؤلاء قومك أهل الشرف والقدر . » فأعرض عنّى وقال : - « أبيت إلَّا العصبيّة . » فلمّا كان بعد أيّام أعاد عبد العزيز بن إبراهيم ليضربه ، فقال : - « يا أمير المؤمنين ، الله ، الله ، فينا ، فوالله إنّى لمكبّ على وجهي منذ [ 428 ] أربعين ليلة ، ما صلَّيت للَّه صلاة . » - « أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم . » قال : - « فأين العفو يا أمير المؤمنين ؟ » قال : - « فالعفو إذا . » ثمّ خلَّى سبيله . وفى هذه السنة ثارت السودان بالمدينة وكان وإليها عبد الله بن الربيع . ذكر خبر وثوب السودان بالمدينة والسبب الذي هيّج ذلك وكان رياح بن عثمان استعمل أبا بكر بن أبي سبرة على صدقة قوم ، فلمّا خرج محمّد صار إليه أبو بكر بما كان جبى وشمّر معه ، فلمّا قدم عيسى وهزم محمّدا استخلف كثير بن حصين على المدينة ، فأخذ كثير أبا بكر بن أبي سبرة ، فضربه سبعين سوطا وقيّده وحبسه ، ثمّ قدم عبد الله بن الربيع واليا من قبل أبى جعفر المنصور ، فكان الجند ينازعون التّجار ويتعدّون عليهم ، فاجتمعوا إلى أميرهم ابن الربيع ، فشكوا ذلك إليه ، فنهرهم وشتمهم ، فطمع فيهم الجند إلى أن