الشيخ سليمان الماحوزي البحراني

410

كتاب الأربعين

فإذا اشتد الاشتغال عن الجهة المولى عنها ، وقفت الأفعال الطبيعية المتعلقة بالقوى النباتية ، فلم يكن من التحليل الا دون ما يكون في حال المرض ، لاختصاص المرض في بعض الصور بما يقتضي الاحتياج إلى الغذاء ، كتحلل رطوبات البدن بسبب عروض الحرارة الغريبة المسماة بسوء المزاج الحار ، لأن الغذاء إنما يكون لسد بدل ما يتحلل من تلك الرطوبات ، وشدة الحاجة إلى الغذاء إنما يكون بحسب كثرة التحلل ، وكقصور القوى البدنية بسبب المرض المضاد لها . وإنما الحاجة إلى حفظ تلك الرطوبات لحفظ تلك القوى ، إذ كانت مادة الحرارة الغريزية المقتضية لتعادل الأركان التي لا تقوم تلك القوى الا معه ، وشدة الحاجة إلى ما يحفظ تلك القوى إنما هي بحسب شدة فتورها . وأما العرفان ، فإنه مختص بأمر يوجب الاستغناء عن الغذاء ، وهو سكون البدن عند اعراض القوى البدنية عن أفعالها حال متبايعتها للنفس ، وانجذابها خلفها حال توجهها إلى الجناب المقدس ، وتطعمها بلذة معارفة الحق ، واليه الإشارة بقوله ( عليه السلام ) : اني لست كأحدكم أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني . وإذا عرفت ذلك ظهر أن المرض وان اقتضى الامساك الخارق للعادة الا أن العرفان بذلك الاقتضاء أولى . وأما القدرة على الحركة التي تخرج عن وسع مثله ، فهي أيضا ممكنة . وبيانها : انك علمت أن مبدأ القوى البدنية هو الروح الحيواني ، فالعوارض الغريبة التي تعترض للانسان تارة يقتضي انقباض الروح بحركة إلى داخل ، كالخوف والحزن ، وذلك يقتضي انحطاط القوى وسقوطها ، وتارة يقتضي حركته إلى خارج كالغضب ، أو انبساطا معتدلا كالفرح المطرب والانتشار المعتدل ، وذلك يقتضي ازدياد القوة ونشاطها . وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه لما كان فرح العارف ببهجة الحق أتم وأعظم من فرح من عداه بما عداه ، وكانت الغواشي التي تغشاه وتحركه اعتزازا بالحق وحمية ربانية