الشيخ سليمان الماحوزي البحراني
136
كتاب الأربعين
وكذلك أبونا ( عليه السلام ) اتبع آثار الأنبياء ، وأظهر الهدنة ( 1 ) مع أعدائه خوفا على نفسه وعلى الدين ، إذ لم يقدر على الإنكار عليهم ، لاجتماع الناس على الباطل واحتفالهم ( 2 ) على اعلاء كلمته ، وابراز الضلالة من أكمامها ، ولولا ذلك لحدث أمر عظيم ، وبرزت الشرور من أغلافها ، وحل به وبشيعته من أنواع النوائب التي تتصل مادتها إلى يوم القيامة ( 3 ) . وأقول : انه على ما بيناه وذكرناه في تأويل الحديث المنقول عن الأمالي يسقط السؤال المذكور بالكلية ، لأنه إذا كان تركه الانكار والمحاربة في ولاية اللصوص الثلاثة المتقدمين ومحاربته لأهل البصرة وصفين والنهروان عهدا معهودا من النبي ( صلى الله عليه وآله ) كما علمته ، ووصية سابقة منه سلام الله عليه وآله ، لم يكن للايراد المذكور محل ، لأن عهده ( صلى الله عليه وآله ) بذلك لا يستند إلى الرأي والاجتهاد ، لما حققناه في الكتب الأصولية من أنه ( صلى الله عليه وآله ) لم يتعبد بالرأي والاجتهاد ، وانه غير لائق بشأنه لأنه لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى . وذهب أكثر المخالفين إلى جواز الاجتهاد عليه ( صلى الله عليه وآله ) . واختلفوا في وقوعه ، فقال به قوم ، وأنكره آخرون ، وتوقف فيه ثالث ، وهو خيرة الغزالي في المستصفى ، وقد دللنا على حقية ما اخترناه في شرحنا على تهذيب الأصول ، وإذا كان وحيا من الله سبحانه لم يتجه السؤال ، لتوجهه إلى حضرة من لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ويروى أن ابن عباس ( رحمه الله ) ، سأله ( عليه السلام ) يوم اكره على بيعة أبي بكر ، فقال له : أين شجاعتك التي كانت في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلم يجبه حتى إذا كان يوم الجمل أجابه ، وقال : يا بن عباس أتذكر يوما قلت لي كذا وكذا ، فقال صلوات الله عليه : لو قاتلت القوم وقتلتهم لم يكن معنا اليوم من هؤلاء أحد .
--> ( 1 ) الهدنة بالضم : المصالحة كالمهادنة . ( 2 ) الاحتفال : الاجتماع كما في القاموس ( منه ) . ( 3 ) راجع بحار الأنوار 8 : 145 - 156 ط الحجري .