الشريف الجرجاني

8

الحاشية على الكشاف

الفاء فصيحة من باب : فقد جئنا من خراسانا : أي إذا كان القرآن من علو شأنه ورفعة مكانه وكونه أقرب الأشياء إليه تعالى محدثا ، فليتعجب المتعجبون من تفرده تعالى بصفة القدم ووسم جميع ما عداه بنقيصة سبق العدم ، أو إذا كان كذلك فأنزهه عن كل وصمة وأبرئه عن كل نقيصة ، وفيه رمز كما مر إلى أن الحدوث إنما لزم القرآن لاقتضاء ذاته تعالى التنزه عن الشركة في صفة القدم لا لنقصانه في نفسه ، بل هو كامل في بابه كما نبه عليه حيث أردف المبتدأ بالمبتدع ، والمنشأ بالمخترع ، و " الاستئثار " التفرد والاستبداد . و " الأولية " السبق على ما سواه . و ( القدم ) على المسبوقية بالعدم ، وهما متلازمان وجودا لا مفهوما ، فإن ما كان سابقا على جميع ما عداه كان قديما إذ لو كان حادثا لم يكن سابقا مطلقا لوجود القديم ، وما كان قديما كان سابقا على جميع ما سواه لامتناع تعدد القدماء المتغايرة . ولما كان القدم هو المقصود جعل الأولية توطئة له ترقيا في الكلام . و " الشئ " في اللغة كما صرح به في سورة البقرة والأنعام يقع على المحال والمستقيم والجرم والعرض ، فيختص هاهنا بالموجود بقرينة الحدوث عن العدم كما خص بالمستقيم في قوله تعالى - والله على كل شئ قدير - بقرينة القدرة ، وأما الشئ بالمعنى المذكور في علم الكلام ، فمما لا يلتفت إليه في أمثال هذا المقام وفى دعوى استئثار الذات بالقدم واتسام كل موجود سواه بالحدوث زيادة مبالغة في حدوث القرآن ، ورد على مثبتي صفات زائدة على ذاته تعالى قديمة . والمراد بالسبق والقدم والحدوث ما هو بحسب الزمان ، لأنه المتبادر عند الإطلاق ، فقوله " بالحدوث عن العدم " تنصيص على المراد بعد ظهوره ورعاية للسجع ( قوله أنشأه كتابا ) هو مع ما في حيزه بدل من أنزل ، وما عطف عليه رجع به إلى ما كان فيه من بيان اتصاف القرآن بصفات الكمال بعد ما وقع في البيت من إثبات الحدوث وما تبعه من تنزيه الله تعالى ، وقصد في هذا البد أن اتصافه بتلك الأوصاف الجليلة من التأليف والتنظيم والتنجيم والافتتاح والاختتام والتفصيل والتمييز إنما كان ليكون نظمه في إفادة معناه كاملا بسطوع تبيانه ، ومعناه وافيا بما قصد به من الغرض بقطعية برهانه ، واشتماله على بينات المنقول وحجج المعقول ، وتباعده عن شوائب العوج ، وكونه مفتاحا لمنافع الدارين ، ومصداقا لسائر الكتب المنزلة قبله ، بل ليكون نظمه البليغ في إفادة ذلك المعنى الوفي بالغا حد الإعجاز ، ويقترن بذلك وعد كونه تبيانا لكل شئ بالإيجاز ، وإنما قال أنشأه : أي أحدثه ابتهاجا بما أثبته من معتقده ، وإن كان المقصود الأصلي هو القيود المذكورة لاكونه محدثا ، وهذه المنصوبات : أعني كتابا ووحيا وقرآنا ومفتاحا ومصداقا ، أحوال مترادفة أو مفاعيل ثانية بأن يضمن أنشأ معنى جعل وصير ، والمراد إنشاؤه على هذا الوجه لأنقله من وجه آخر إليه ، وفى ترك العطف إشارة إلى أن كل واحدة منها صفة كمال على حدة ( قوله معجزا ) إما أن ينخرط معها في سلكها ، وإما أن يكون بدلا منها بأسرها ، كأه قال أنشأه معجزا . يقال سطح الصبح يسطع سطوعا : إذا ارتفع ، شبه تبيان القرآن بتباشير الصبح المرتفعة في الوضوح والانجلاء ، وأثبت له السطوح تخييلا ، وعبر عن الدلائل النقلية بالبينات لظهورها ، وعن العقلية بالحجج ، إذ بها الغلبة على المخالف مطلقا ، وقدم الأولى لأنها أكثر في القرآن وللترقي ورعاية السجع . وقيل ما يثبت به الدعوى يسمى بينة من حيث إفادته للبيان ، وحجة من حيث يغلب به على الخصم ، فالعاطف بينهما حينئذ قد توسط بين صفات ذات واحدة ، والقرآن مفتاح ينفتح به باب الشريعة المشتملة على كل خير وسعادة في الآخرة والأولى ، ومصداق