الشريف الجرجاني

9

الحاشية على الكشاف

الشئ ما يصدقه وبين صدقه كأنه آلة لصدقه ، والقرآن بإعجازه مستغن في صدقه عن شهادة غيره ، وبتصديقه لما تقدمه من الكتب السماوية شاهد صدق لها ومصداقها ( بين يديه ) حقيقة في المكان ثم اشتهر للزمان المتقدم مستعارا ( قوله دون كل معجز ) ظرف مستقر وقع حالا من المستكن في باقيان : أن متجاوزا في البقاء سائر المعجزات ، وكذا قوله من بين مستقر وقع حالا من المستتر في دائرا : أي منفردا في الدوران من بين سائر الكتب الإلهية ، إذ لم يعهد جريان باقي الكتب على ألسنة أرباب اللغات المتخالفة في الدهور المتطاولة ( قوله وجه الزمان ) استعارة بالكناية وتخييل ، شبه الزمان لظهور بعض الأشياء الموجودة فيه دون بعض بشئ له ظاهر يبدو ما عليه وباطن يستتر ما فيه ، فأثبت له الوجه من قولهم وجه الأرض لظاهرها فإنه شائع الاستعمال فيه ، وجعل القرآن موضوعا عليه مبالغة في ظهوره . وقد تخيل بعضهم أن الوجه إما تخييل وإما مستعار للظاهر المكشوف من الزمان ، وذهب عليه أن الزمان لا ينقسم إلى ظاهر مكشوف وإلى باطن مستور ، فإذا جعل الوجه بمعنى الظاهر كان تخييلا لا قسيما له ( قوله أفحم به ) إما صفة ثالثة لمعجزا عدل فيها إلى الجملة الفعلية لملاحظة الحدوث وجاز وصفه لكونه بمنزلة الاسم كالممكن ونظائره ، وإما استئناف بيان لإجازه على سبيل الإجمال كأنه قيل : لم قلت إنه معجز وبم عرفت ذلك ؟ فأجاب بأنه أفحم : أي أسكت ، ثم ترقى فقال أبكم ، وأخذه من بكم قياسا إذ لم يشتهر فعل بنى منه سوى ما نقله في الأساس من قوله : تكلم فلان فتبكم عليه : إذا أرتج عليه ، وقد يجعل استعماله إياه بمنزلة روايته له فإنه ثقة في اللغة ( المعارضة ) أن يأتي إلى صاحبه بمثل ما أتى به و ( العرب العرباء ) هم الخلص منهم كالعرب العاربة ، أخذ من لفظه فأكد به كقولك : ظل ظليل ، وليل أليل . وفائدة لفظة به بعد أفحم وأبكم الإشعار بأن إعجاز القرآن كما هو المختار المشار إليه بسياق كلامه إنما هو بكلام بلاغته ، لا بالصرفة كما يتوهم من إسناد الإفحام والإبكام إليه تعالى لولا تقييدهما بالظرف ، والتحدي طلب المعارضة وأصله في الحاديين ، يقال خطيب مصقع : أي بليغ مجهر بخطبته ، إما من صقع الديك إذا صاح ، وإما من الصقع بمعنى الجانب ، لأنه يأخذ في كل جانب من الكلام ، وإما من صقعه إذا ضرب صوقعته : أي وسط رأسه كما يأتي في قراعة من قرء - من الصواقع حذر الموت - ( فلم يتصد ) يتعلق بأفحم ولم ينهض بأبكم ، وتلخيص معناه أنه طولب بمعارضته فصحاء العرب فأفحمهم ، فلم يتعرض للإتيان بما يساوى القرآن أو يقاربه واحد منهم ، وتحدى به بلغاؤهم فأبكمهم به ، فلم يقم بمقدار أقصر سورة ناهض منهم . ففي الكلام ترق حيث نسب الإفحام إلى فصحائهم وأظهر عجزهم عن مجموعه ، ثم نسب الإبكام إلى بلغائهم وبين قصورهم عن أقصر سورة ( على أنهم ) حال من البلغاء لأنه فاعل في المعنى : أي لم ينهض بلغاؤهم على أنهم كانوا ، فالضمير لهم أو من البلغاء والفصحاء معا فالضمير لهما جميعا ، فالعامل في الحال على الوجهين معنى النفي : أي تركوا التصدي والنهوض حال كونهم كذا ، لا المنفى لفساد المعنى ، وجدوى هذه الحال إزالة ما عسى أن يتوهم من أنهم ربما كانوا قليلين يمكن أن يغلب عليهم واحد من جنسهم فلا يثبت الإعجاز لعجزهم وكلمة على في " على أنهم " تدل على رسوخهم في صفة الكثرة واستقرارهم واستعلائهم عليا ، فما قيل من أنها بمعنى