ابن حمدون

65

التذكرة الحمدونية

به صاحب الحمّام عن سائر الناس ، فقلت : واللَّه لئن لم أطلع هذا على بعض ما عندي لأكوننّ بمزجر الكلب . فاستدبرته بحيث يراني ويسمع مني ثم ترنّمت ، فالتفت إليّ وقال للغلمان : قدّموا إليه جميع ما ههنا . فصار جميع ما كان بين يديه عندي ، ثم سألني أن أصير معه إلى منزله ، فلم يدع شيئا من البرّ والإكرام إلا فعله . ثم وضع النبيذ ، فجعلت لا آتي بحسن إلا خرجت إلى أحسن منه ولا يرتاح ولا يحفل لما يرى . فلما طال عليه أمري قال : يا غلام ، شيخنا شيخنا ، فأتي بشيخ فلما رآه هشّ إليه ، فأخذ الشيخ العود ثم اندفع يغنّي : سلَّور في القدر ويحي علوه جاء القطَّ أكله ويحي علوه السّلور : السمك الجري بلغة أهل الشام . قال : فجعل صاحب المنزل يصفّق ويضرب برجله طربا وسرورا ، ثم غنّاه : وترميني حبيبة بالدّراقن وتحسبني حبيبة لا أراها الدّراقن : الخوخ بلغة أهل الشام . قال : فكاد أن يخرج من جلده طربا . قال : وانسللت منهم فانصرفت ولم يعلم بي ، فما رأيت مثل ذلك اليوم قطَّ غناء أضيع ولا شيخا أجهل ! « 96 » - قال خالد بن كلثوم : كنت مع زبراء بالمدينة وهو وال عليها ، وهو من بني هاشم أحد بني ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا وحبس منهم عطرّد وهو مولى بني عمرو بن عوف من الأنصار ، وكان مع الغناء قارئا مقبول الشهادة . فحضر جماعة من أهل المدينة عنده فتشفّعوا لعطرّد وأنّه من أهل الهيئة والمروءة والدّين ، فدعا به وخلَّى سبيله ، وخرج وإذا هو بالمغنّين قد أخرجوا ليعرضوا ، فعاد إليه عطرّد فقال : أصلح اللَّه الأمير ، أعلى الغناء حبست هؤلاء ؟ قال : نعم ، قال : فلا تظلمهم ، فو اللَّه ما أحسنوا منه شيئا

--> « 96 » الأغاني 3 : 303 .