ابن حمدون
51
التذكرة الحمدونية
فلما كان اليوم الثالث بعث إليه وفعل مثل فعله بالأمس ، فقال له يحيى : ما لك أيضا ؟ قال : يا أبا عثمان ، ليس هذا هو الصوت الذي أردت ، فقال له : لست أعلم ما في نفسك فاذكره وأنا عليّ أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا يبقى عندي زينب ألبتّة إلا أحضرتها ، قال : هات على اسم اللَّه تعالى . قال : اذكر العوض ؛ قال : ما شئت ، قال : هذه الدرّاعة الوشي التي عليك ، فأخذها ، قال : والخمسين الدرهم ؟ فأحضرها وألقى عليه : [ من الطويل ] لزينب طيف تعتريني طوارقه هدوّا إذا النجم ارجحنّت لواحقه فأخذه منه ومضى إلى إبراهيم فصادفه يشرب مع الحرم ، فقال له حاجبه : هو يتشاغل ؛ فقال له : قل له قد جئتك بحاجتك ؛ فقال : يدخل فيغنّيه في الدار وهو قائم ، فإن كان هو ، وإلا فليخرج . فدخل فغنّاه ، فقال لا واللَّه ما هذا هو ، فعاود الاحتيال ففعل مثل ذلك ، فقال له يحيى وهو يضحك : ما ظفرت بزينبك بعد ؟ فقال : لا واللَّه يا أبا عثمان ، وما أشكّ بأنّك تتعمّدني بالمنع فيما أريده وقد أخذت كلّ شيء عندي مغابنة ، فضحك يحيى ثم قال : قد استحييت منك الآن ، وأنا أناصحك على شريطة ، قال : نعم ، قل الشريطة ؛ قال : لا تلمني أن أغابنك ، لأنّك أخذت في مغابنتي ، والمطلوب إليه أقدر من الطالب ، فلا تعاود أن تحتال عليّ ، فإنّك لا تظفر منّي بما تريد ، إنّما دسّك إبراهيم بن المهديّ عليّ ليأخذ صوتا غنّيته وسألني إعادته فمنعته بخلا عليه ، لأنّه لا يلحقني منه خير ولا بركة ، يريد أن يأخذ غنائي باطلا ، وطمع بموضعك أن تأخذ الصوت بلا ثمن ولا حمد ، لا واللَّه إلا بأوفر الأثمان ، وبعد اعترافك ؛ وإلا فلا تطمع في الصوت فقال : أما إذا فطنت ، فالأمر واللَّه على ما قلت ، فتغنّيه الآن بعينه على شرط وإن كان هو وإلا فعليك اعادته بعينه ، ولو غنيتني في كلّ شيء تعرفه ولم أحتسب لك إلا به ؛ قال : اشتره ، فتساوما طويلا وماكسه المارقيّ حتى بلغ ألف