ابن حمدون
50
التذكرة الحمدونية
فلما تغدّوا وضع النبيذ فقال له المارقيّ : إني سمعتك تغنّي صوتا فيه ذكر زينب ، وأنا أحبّ أن آخذه منك ، وكان يحيى يوفي هذا الشأن حقّه من الاستقصاء ، فلا يخرج إلا بحذر ، ولا يدع الطلب والمسألة ، ولا يلقي صوتا إلا بعوض ، فقال له يحيى : وأيّ شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت ؟ قال : ما تريد ؟ قال : هذه الزّلَّيّة الأرمنيّة ، أما آن لك أن تملَّها ؟ قال : بلى ، هي لك ، قال : وهذه الطنافس الخرّميّة ، أنا مكيّ لا أنت وأنا أولى بها منك ، قال : هي لك ، وأمر بحملها معه ، فلما حصلت له قال له المارقيّ : يا غلام ، هات العود ، قال يحيى : والميزان والدراهم ؛ وكان يحيى لا يغنّي أو يأخذ خمسين درهما ، فأعطاه إيّاه ، فألقى عليه : [ من الطويل ] بزينب ألمم قبل أن يظعن الرّكب فلم يشكّ المارقيّ في أنه قد أدرك حاجته ، فبكَّر إلى إبراهيم فقال له : قد جئت بالحاجة ، فدعا بالعود فغنّاه إيّاه ، فقال له : لا واللَّه ما هو هذا ، وقد خدعك ، فعاود الاحتيال عليه . قال زرزور : فبعثني إليه وبعث معي خمسين درهما ، فلما دخل عليه وأكلا وشربا قال له يحيى : قد واليت بين دعواتك ولم تكن برّا وصولا ، فما هذا ؟ قال : لا شيء واللَّه إلا محبّتي للأخذ عنك والاقتباس منك . فقال له : برّك اللَّه ! تذكَّرت الصوت الذي سألتك إيّاه فإذا هو غير الذي ألقيته عليّ ، فقال : تريد ماذا ؟ قال : تذكَّر الصوت ، فغنّاه : [ من البسيط ] ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا فقال له : نعم فديتك يا أبا عثمان هذا هو فألقه عليّ ، قال : العوض ؛ قال : قل ؛ قال : هذا المطرف الأسود ، قال : هو لك ، فأخذه وألقى عليه هذا الصوت حتى استوى له ، وبكَّر إلى إبراهيم فقال له : ما وراءك ؟ قال : قد قضيت حاجتك ، ودعا بالعود فغنّاه إيّاه ، فقال : خدعك واللَّه وليس هذا هو ، فأعد الاحتيال عليه ، وكلّ ما تعطيه إيّاه فألزمني به .