ابن حمدون

48

التذكرة الحمدونية

قوله ، ولا يثبت لمباراته أحد ، ولا يقوم لمعارضته ولا يفي بها ، حتى نشأ إسحاق وضبط الغناء وأخذه من مظانّه ودوّنه ، وكشف عوار يحيى في منحولاته وبيّنها للناس . « 74 » - قال أحمد بن سعيد المالكي - وكان مغنّيا منقطعا إلى طاهر وولده - وكان من القوّاد : حضرت يحيى المكيّ يوما وقد غنّى صوتا فسئل عنه ، فقال : هذا لمالك ، ثم غنّى لحنا لمالك ، فسئل عنه فقال : هذا لي ، فقال له إسحاق الموصليّ : قلت ماذا ؟ فديتك ! وتضاحك به . فسئل عن صانعه ، فأخبر به وغنّى الصوت ، فخجل يحيى ، وأمسك عنه ثم غنّى بعد ساعة في الثقيل الأوّل ، واللَّحن له : [ من الكامل المرفّل ] إنّ الخليط أجدّ فاحتملا وأراد غيظك بالذي فعلا فسئل عنه ، فنسبه إلى الغريض ، فقال له إسحاق : يا أبا سليمان ليس هذا من نمط الغريض ، ولا تفنّنه في الغناء ، فلو شئت لأخذت ما لك ، وتركت للغريض ما له ، ولم تتعب ، فاستحيى يحيى ولم ينتفع بنفسه بقيّة يومه . فلما انصرف بعث إلى إسحاق بلطائف كثيرة وبرّ واسع وكتب إليه يعاتبه ويستكفّ شرّه ويقول له : لست من أقرانك فتضادّ لي ، ولا ممّن يتصدّى لمباغضتك ومباراتك فتكايدني ، وأنت إلى أن أفيدك وأعطيك ما تعلم أنّك لا تجده إلا عندي فتسمو به على أكفائك أحوج منك إلى أن تباغضني فأعطي غيرك سلاحا إذا حمله عليك لم تقم له ، وأنت وما تختاره . فعرف إسحاق صدق يحيى فكتب إليه يعتذر وردّ الألطاف التي حملها إليه ، وحلف أن لا يعارضه بعدها ، وشرط عليه الوفاء بما وعده به من الفوائد ، فوفّى له بها ، وأخذ منه كلّ ما أراد من غناء المتقدّمين . وكان إذا حزبه أمر في شيء منها فزع إليه فأعاده وعاونه ونصحه ، وما عاود

--> « 74 » الأغاني 6 : 166 - 167 .