ابن حمدون
346
التذكرة الحمدونية
إليك . قال : إني لأظنّك حروريّا قال : اللهم اجعلني ممّن يتحرى الخير . ثم قال له الغضبان : أهذا البعير لك يا أعرابيّ ؟ قال : نعم ، فما شأنه ؟ قال : أرى فيه داء فهل أنت بائعه ومشتر ما هو شرّ منه ؟ فولى الأعرابي وتركه وهو يقول : واللَّه إنك لبذخ أحمق . فلما قدم الغضبان على الحجاج قال : كيف تركت أهل كرمان ؟ قال : أصلح اللَّه الأمير ، أرض ماؤها وشل ، وثمرها دقل ، ولصّها بطل ، والجيش فيها ضعاف ، إن كثروا بها جاعوا ، وإن قلَّوا بها ضاعوا . قال له الحجاج : أما إنّك صاحب الكلمة التي بلغتني عنك حين قلت : تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشّى [ بك ] . قال الغضبان : أما إنها جعلني اللَّه فداك لم تنفع من قيلت له ، ولم تضرّ من قيلت فيه . قال الحجاج : اذهبوا به إلى السجن . فمكث فيه إلى أن بنى الحجاج قبة خضراء في واسط أعجبته كما لم يعجبه بناء قطَّ . فقال لمن حوله : كيف ترون قبّتي هذه ؟ قالوا : أصلح اللَّه الأمير ما بنى ملك مثلها . ولا نعلم للعرب مأثرة أفضل منها . قال الحجاج : أما إن لها عيبا وسأبعث إلى من يخبرني به . فبعث إلى الغضبان فأقبل يرسف في قيوده ، فلما دخل عليه سلَّم فقال له الحجاج : كيف ترى قبّتي هذه ؟ قال : أصلح اللَّه الأمير ، هذه قبّة بنيت في غير بلدك لغير ولدك ، لا يسكنها وارثك ولا يدوم لك بقاءها ، كما لم يدم هالك ولم يبق فان ، وأما هي فكأن لم تكن . قال : صدق ردّوه إلى السجن فإنه صاحب الكلمة التي بلغتني عنه ، قال : أصلح اللَّه الأمير ، ما ضرّت من قيلت فيه ولا نفعت من قيلت له . وقال : أتراك تنجو مني ! لأقطعنّ يديك ورجليك ولأكوينّ عينيك . قال : ما يخاف وعيدك البريء ، ولا ينقطع منك رجاء المسئ . قال : لأقتلنّك إن شاء اللَّه ، قال : بغير نفس والعفو أقرب للتقوى . قال الحجاج : إنك لسمين ، قال : لم كان القيد والرّتعة ، ومن يك جار الأمير يسمن . قال له الحجاج : ردّوه إلى السجن ، قال : أصلح اللَّه الأمير ، قد أثقلني الحديد فما أطيق المشي ، قال : احملوه لعنه