ابن حمدون
332
التذكرة الحمدونية
وجعل يبكي ، وقال : هذا آخر عهدك بي في حال تعاشر أهل الدنيا ، فظننت أنّها بعض حماقاته ، فانصرفت فما لقيته زمانا . ثم تشوّقته فأتيته فاستأذنت عليه ، فدخلت فإذا هو قد أخذ قوصرّتين فثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص ، وثقب أخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل . فلما رأيته نسيت كلّ ما كان عندي من الغمّ عليه والوحشة لعشرته ، وضحكت ضحكا ما ضحكت مثله قطَّ . فقال : من أيّ شيء تضحك لا ضحكت ! فقلت : سخنت عينك ! هذا أيّ شيء هو ؟ ومن بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء أو الزّهاد أو الصحابة أو المجانين ؟ انزع هذا عنك يا سخين العين ! فكأنّه استحيا منّي . ثم بلغني أنه جلس حجّاما ، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره . ثم مرض فبلغني أنه اشتهى أن أغنّيه ، فأتيت عائدا ، فخرج إليّ رسوله يقول : إن دخلت إليّ جدّدت لي حزنا وتاقت نفسي إلى سماعك وإلى ما قد غلبتها عليه ، وأنا أستودعك اللَّه وأعتذر إليك من ترك الالتقاء ، ثم كان آخر عهدي به . « 655 » - قيل لأبي العتاهية عند الموت : ما تشتهي ؟ قال : أشتهي أن يجيء مخارق فيضع فمه على أذني ثم يغنّيني : [ من الطويل ] سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي ويحدث بعدي للخليل خليل إذا ما انقضت عني من الدهر مدّتي فإنّ غناء الباكيات قليل « 656 » - طلَّق أعرابي امرأته فتزوّجها الأخطل ، وكان الأخطل قبل ذلك قد طلَّق امرأته الأولى ، فتنفّست ، فقال الأخطل : [ من الطويل ] كلانا على همّ يبيت كأنّما بجنبيه من مسّ الفراش قروح على زوجها الماضي تنوح وإنّني على زوحتي الأخرى لذاك أنوح
--> « 655 » الأغاني 4 : 111 وديوان أبي العتاهية ( صادر ) : 356 . « 656 » الأغاني 8 : 298 .