ابن حمدون

301

التذكرة الحمدونية

قال أبو عبد اللَّه محمد بن داود بن الجرّاح : فلما كان عشيّ يومنا ذلك ، وخلا وكنت أنا وابناه بين يديه ، تحدّث واستروح ، ثم قال لنا : سبحان اللَّه ! ما أعجب ما كنت فيه اليوم ! فلم نسأله عن ذلك إجلالا له . [ قال لي أبو أيوب رحمه اللَّه ] إنه كان في أيام الواثق في ذلك البلاء والضرب والقيد ، وإنه حمل إلى محمد بن عبد الملك الزيات ليناظره ويردّه إلى محبسه . وكان بين يديه على تلك الحال ، فجعل يناظره ، والحسن بن وهب كاتبه جالس ، وربما تكلَّم بالكلمة ترقّقه عليه وربما أمسك ، ومحمد دائب في الغلظة على أبي أيوب والدي والتشفّي منه ، إذ مرّ بعض خدم محمد بن عبد الملك في الدار وعلى كتفه صبيّ قد خضب ، وعليه لبوس مثله من أولاد الملوك ، فلما رآه صاح بالخادم : هاته ، فقرّبه إليه فقبّله وترشّفه وضمّه إليه ، وجعل يلاعبه . وحانت منه التفاتة إلى والدي ، فإذا دمعته قد سبقته وهو يمسح جبينه بالجبّة الصوف التي كانت عليه ، فقال له : ما الذي أبكاك ؟ فقال : خير أصلحك اللَّه ، إلى أن قال : لا تبرح أو تخبرني بالأمر على حقّه . فلما رأى ذلك الحسن بن وهب قال له : أنا أصدقك ؛ لمّا رأى أبو محمد عمر ، أسعد اللَّه ببقائه وجعلنا جميعا فداءه ، ذكر بنيّا له في مثل سنّه يقال له عبيد اللَّه ، - قال : وكانا ولدا في شهر واحد - فالتفت إليه محمد كالهازىء به ثم قال : أتراه يقدّر أن يكون ابنه هذا وزيرا ؟ قال الحسن : فلما أمر بحمله إلى محبسه ، التفت إليّ وقال : لولا أنّ هذا من أمور السلطان التي لا سبيل إلى التقصير فيها ما سؤتك فيه ، ولو أعانني على نفسه لخلَّصته . فقال الحسن : فو اللَّه ما رأيته منذ حبس ، فإن رأيت أن تأمر بالعدول به إلى بعض المجالس والإذن لي في القيام إليه والخلوة معه لأشير عليه بامتثال أمرك . قال : فأمر بذلك . فقمت إلى أبي أيوب وتعانقنا وبكينا ، فقال لي قبل كلّ شيء : رأيت أعجب من بغيه ، ومن قوله بالتباطر والهزء : أتراه يقدّر أن يكون ابنه هذا وزيرا ؟ وواللَّه إني لأرجو - بعون اللَّه - أن يبلغ إلى الوزارة ، فيتقدّم إليه عمر هذا متظلَّما ؛ فلما كان في يومنا هذا ، تقدّم إليّ عمر فتظلَّم ، وما كنت عرفت له خبرا قبل ذلك .