ابن حمدون
292
التذكرة الحمدونية
اقتدارا على تأدية ما حفظا ورويا منهما ؛ أسأل اللَّه أن يزيد بهما الإسلام عزّا وتأييدا ، ويدخل بهما على أهل الشّرك ذلا وقمعا . وأمّن الرشيد على دعائي ، ثم ضمّهما إليه ، وجمع عليهما يديه ، فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره ، ثم أمرهما بالخروج . ثم قال : كأني بهما وقد حمّ القضاء ونزلت مقادير السماء ، وقد تشتّت أمرهما ، وافترقت كلمتهما حتى تسفك الدماء وتهتك السّتور . 559 - كانت بيحيى البرمكي علَّة في جوفه عجز عنها أطباء العراق ، فأشخص منويل أسقف فارس ، وقد تقدّم قبل أن يدخل عليه إلى خواصّه بأخذ مائهم في قوارير ؛ فأتوا بها ، فأمر بتبديلها ، وفيهم مدنيّ مضحك ، وقد وهب له جارية فكان يدّعي في كثرة الباه الدعاوى العريضة . فأعطاه الوزير مجسته فقال : تناولت المحرّم . فجحد فحلف منويل حتى أقر ، ونظر في القوارير فردّ كلّ واحدة إلى صاحبها . فتعجب من لطف علمه . وقال للمدني : أنت عنّين ! فلجّ ، فقال هو كافر بالمسيح إن كان خرج من صلبك شيء قط إلا البول . فاعترف وطلب العلاج ؛ فقال هذا ما لا حيلة فيه . ثم قال : إن كان - وما أظنه يكون - فعليك بالكباب على الآجرّ مع نبيذ الصرفان . « 560 » - قال الرشيد حين كان بطوس لرجل : خذ هذه البدرة واعرض هذه القارورة على أسقف فارس وبختيشوع من غير أن يتشاعرا وازعم أنّها قارورة أخ لك . فقال الأسقف : ما أشبه هذا الماء بماء الرّشيد ، فانتظر ولا ترحل فإنّ أخاك ميّت غداة غد ، وقال بختيشوع مثله . « 561 » - وعرض رجل على أيوب الطَّبيب قارورته فقال : ما هي بقارورتك لأنّه ماء ميّت وأنت حيّ تكلَّمني فما فرغ من كلامه أن خرّ الرّجل ميّتا .
--> « 560 » قارن بمحاضرات الراغب 4 : 443 . « 561 » المستطرف 2 : 295 .