ابن حمدون
281
التذكرة الحمدونية
إن لم يفعل ما أراد ضربه كلّ جمعة سياطا حتى يقتله . قال : فأخرج والفقهاء جلوس ، فمالوا به إلى إخوانه فوقف عليهم فقالوا له : ننشدك اللَّه أن تتلف نفسك ، وتغمّ إخوانك ، وتعرض لهذا الجبّار ، وإنا قد كرهنا هذا الأمر كما كرهت ، ولكن نشتري الدين بعضه ببعض . فقال أبو حنيفة : لا واللَّه لا آثرت على اللَّه شيئا ، ولا أدخل في عمل ، لو سألني أن أعدّ له أساطين المسجد واللَّه ما فعلت ، فكيف ولو ترى أن نكتب في دم رجل لعله غير مستحقّ فأختم أنا على كتابه ونأخذ المال من غير حقّه فينفقه على معاصي اللَّه وأعينه على حفظه . فقال ابن أبي ليلى : دعوا صاحبكم وما يحمل على نفسه ، فهو واللَّه المصيب ونحن المخطئون ؛ يا أخي لو وطَّنّا لأنفسنا على ما وطَّنت نفسك عليه كان خيرا لنا . فحبسه صاحب الشرطة عنده جمعتين ولم يضربه ، ثم أخرجه واعتذر إليه وقال : إن هذا الأمير لا يختار عليه ، فإمّا أن تدخل فيما أمرك به أو أمضي فيك أمره ؛ قال : من تقلَّد شيئا كان عليه ؛ فضربه . فقال ابن هبيرة : ألا ناصح لهذا المحبوس يستأجله فنؤجّله لينظر في أمره ؟ فجيء إلى أبي حنيفة فأخبر ، فلما كانت الجمعة الثانية أخرج ، فقال : إنّ أثر السّياط طريّ في جنبي ، ولي إخوان فدعوني أستشرهم وأنظر فيما يدعونني إليه . فاغتنم إليه . فاغتنم ابن هبيرة قوله وأمر بتخلية سبيله . فركب دوابّه وهرب إلى مكة ، فلم يزل مقيما بها حتى ظهرت الهاشمية وملكوا . « 532 » - فقدم أبو حنيفة الكوفة فأرسل إليه أبو جعفر فضمّه إليه ببغداد ، وأمر له بجارية وبعشرة آلاف درهم . وكان عبد الملك بن حميد على وزارة أبي جعفر ، وكان حسن الرأي فيه ، فقال : لا حاجة لي في الجائزة ولا في الجارية . فقال : أنشدك اللَّه ، فإنه أمير المؤمنين ، وهو سريع الغضب ، ولا آمن عليك غضبه ، وأخاف أن يصدق عليك ما يظنّ بك . فأبى أن يقبض من ذلك شيئا . قال : فأنا أردّ الدارهم إلى بيت المال وأعتذر لك ؛ فالجارية أيّ عذر لك فيها ؟
--> « 532 » مناقب أبي حنيفة ( للكردي ) : 244 - 245 .