ابن حمدون

279

التذكرة الحمدونية

خير من الأهل الأولى يموتون ويسخطون مرة ويرضون ثم مضى معهم فلحقتهم خيل لمحمد بن مروان ، فقتلوا الطائفة وأسروا الفتى في عدة من أصحابه ؛ فبعث بهم محمد إلى الحجاج . فلما رأى الفتى استصغره فدعا به فقال : ويحك ما أخرجك ؟ فو اللَّه ما أظنّك تعرف مواقيت الصلاة . قال : ذاك لو كنت اتّكلت على تعليمك يا حجاج ، كنت بالحري أن أنزل هذه المنزلة . قال : فما أخرجك ؟ قال : مخافة يوم أنا وأنت فيه نصير ؛ قال : وما ذاك اليوم ؟ قال : أول آخر وآخر أوّل ، مستقبل أول لا آخر له ، ومستدبر آخر لا يعود بعد نفاذه ، لا بعده أجل ، ولا فيه عمل ، ولا عنده مستعتب ، ولا إلى غيره مذهب ، يأمن فيه الخائف ، ويخاف فيه الآمن ، ويعزّ فيه الذليل ، ويذلّ فيه العزيز ، وفي مثل هذا ما أقلق ذكري على فراشه هذا ، والأئمة تعدل ، فكيف إذا كانت تضلّ وتضلَّل ، فاقض ما أنت قاض ؛ قال : أجزعت من الموت ؟ قال : لا واللَّه ما جزعت من قضاء ، ولا أسفت على بلاء ، ولا كرهت لربّي لقاء ، وللموت ما خلقت ، وما لي حاجة إلا فيه ، فهل يجزع الرجل من قضاء حاجته ؟ قال : أما واللَّه لأعجلنّ لك من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ؛ قال : أما واللَّه لو علمت أنّ بيدك تعجيله لعلمت أن بيدك تأخيره ، لأن من يقدر على تعجيله يقدر على تأخيره ؛ قال : واللَّه لأقتلنّك ؛ قال : إذن لا يعزّ اللَّه بقتلي باطلا ، ولا يبطل به حقّا ، فلئن قتلتني لأخاصمنّك بحيث يزول عنك وعن ابن الزرقاء عزّكما ، ولا يدفع عنكما سلطانكما ، وحيث لا تقبل لكما عذرة ، ولا تنفعكما حجّة ؛ فأمر بقتله . 529 - قال علي بن حرملة : رأيت أبا حنيفة حين ورد عليه خبر إبراهيم الصائغ وتعرّضه لأبي مسلم حتى قتله ، فقال : واللَّه لقد كنت أتخوف عليه هذا الأمر حتى وقع فيه . قالوا : كيف يا أبا حنيفة ؟ قال : صار إليّ وسألني خلوة فوعدته ، ولم أقدر لاجتماع الحاجّ عليّ ؛ فكان يتقاضاني ويذكر الموعد ؛ فقلت له : ترى شغلي بالحاجّ ، فقال : إن اللَّه يسألك عن أمري . قال : فخلا معي ساعة