ابن حمدون
278
التذكرة الحمدونية
إبراهيم عليه وقال : ليس الخراج من عملي ولا لي به بصر . فغضب هشام عليه غضبا شديدا حتى خاف إبراهيم بادرته ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتأذن لي في الكلام ؟ فقال : قل ؛ فقال : يقول اللَّه عز وجل : * ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الإِنْسانُ ) * ( الأحزاب : 72 ) لكن واللَّه ما أكره السماوات والأرض والجبال حين أبين من حملها ولا سخط عليها ، ولقد ذمّ الانسان حين قبلها ، فقال هشام : أبيت إلا رفقا وأعفاه . 528 - قال أبو عبيدة : كان فتى من الخوارج من بني يشكر مجتهدا ، فتزوج بابنة عمّ له ، فلما كان ليلة أراد البناء بها أتاه قوم من أصحابه على خيولهم ، فوقفوا ببابه فلما علم بهم خرج إليهم ، فقال : من أنتم ؟ قالوا : قوم من إخوانك ، وخرجنا من الدنيا وتركناها لأهلها لنفنى على ما فني عليه السلف الماضون ، قال : فانزلوا وأقيموا ليلتكم هذه حتى أخرج معكم غدا ؛ قالوا : ما كنا لنعود إلى الدنيا بعد ما خرجنا منها وتركناها لأهلها ، قال : فانتظروني . فألقى ثياب عرسه ولبس ثياب سفره ، وركب فرسه وهو يقول : [ من الرجز ] يا ربّ إنيّ مؤثر ذويكا إذ فارقوا الدنيا ويمّموكا ثم خرج إلى أصحابه فقال : [ من الرجز ] سيروا على اسم اللَّه في سبيله على يقين الوعد من رسوله إني به مصدّق وقيله لعلَّنا نفوز من تمثيله أو ندرك التفضيل من تفضيله قالوا : بل أقم في منزلك وتمتّع من أهلك بقية ليلتك ، ولا تشمت بهم عدوهم ، ونحن مقيمون عليك حتى تصبح ، فقال : ما كنت لأرجع إلى الدنيا بعد إذ خرجت منها ، ثم أنشأ يقول : [ من الرجز ] ما وعد اللَّه من الحور العين ومن ثواب المسلمين الشارين