ابن حمدون
259
التذكرة الحمدونية
الهاجيين ، والهجر أحد الفراقين ، واليأس أحد النجحين ، والمزاح أحد السّبابين . « 508 » - قال ابن عبد الأعلى الكاتب : كنت بحضرة أبي الحسن ابن الفرات في وزارته الأولى وهو جالس يعمل ، إذ رفع رأسه وترك العمل من يده وقال : أريد رجلا لا يؤمن باللَّه ولا باليوم الآخر ، يطيعني حقّ الطاعة ، فأنفذه في مهمّ لي ، فإذا بلغ ما أرسمه له أحسنت إليه إحسانا يظهر عليه وأغنيته . فأمسك من حضر ، ووثب رجل يكنى بأبي منصور أخ لابن شبيب حاجب ابن الفرات ، فقال : أنا أيها الوزير . فقال : أو تفعل ، قال : أفعل وأزيد . قال : كم ترتزق ؟ قال : أرتزق مائة وعشرين دينارا ؛ قال : وقّعوا له بالضعف . وقال له : سل حوائجك . فسأله أشياء أجابه إليها . فلما فرغ من ذلك قال له : خذ توقيعي وامض إلى ديوان الخراج وأوصله إلى كاتبي الجماعة ، وطالبهما بإخراج ما على محمد بن جعفر بن الحجاج ، وطالبه بأداء المال ، وأتلفه إلى أن تستخرج جميعه منه ؛ ولا تسمع منه حجة ، ولا تمهله البتّة . فأخذ من رجّالة الباب بعد أن خرج ثلاثين رجلا ، فخرجت لأنظر ما يصنع . فدخل إلى الصقر بن محمد وكان هو وعبد اللَّه بن محمد الكلوذاني شركة في الديوان . فأوقع إليه التوقيع وقال له : أخرج ما على ابن الحجاج ، فقال : عليه من باب واحد ألف ألف درهم ، فطالبه بذلك إلى أن نفرغ من العمل لسائر ما يلزمه . وكان محمد بن جعفر من عمّال علي ابن عيسى . قال : فأحضر ابن الحجاج وشتمه وافترى عليه ، وابن الحجاج يستعطفه ويخضع له . ثم أمر بتجريده وإيقاع المكروه به ، وهو في ذلك كله يقول : يكفي ، اللَّه ! ثم أمر أبو منصور بنصب دقل وجعل في بكرة في رأسه حبلا وشدّت فيه يدا ابن الحجاج ورفع إلى أعلى الدقل ، وهو يستغيث ويقول : يكفي ، اللَّه ! وما زال معلقا وهو يسأله حطَّه وإنظاره إلى أن يوافق الكتّاب على ما أخرج عليه ، وهو لا يسمع ، وقد قعد تحت الدقل واختلط وغضب من غير غضب ،
--> « 508 » الوزراء للصابي : 137 - 139 .