ابن حمدون

25

التذكرة الحمدونية

فدخلا مسجدها فسألا : من أخصّ الناس بأمير المؤمنين ؟ فقالوا : هؤلاء النفر من قريش وبنو عمّه . فوقف ابن مسجح عليهم ، فسلَّم ثمّ قال : يا فتيان ، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز ؟ فنظر بعضهم إلى بعض ، وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها : « برق الأفق » . فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذمّم فقال له : أنا أضيفك ؛ فقال لأصحابه : انطلقوا أنتم ، وأنا أذهب مع ضيفي . فقالوا : لا ، بل تجيء معنا أنت وضيفك . فذهبوا جميعا إلى بيت القينة . فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد : إني رجل أسود ، ولعلّ فيكم من يقذرني ، فأنا أجلس وآكل ناحية ، وقام ، فاستحيوا منه ، وبعثوا إليه بما أكل . فلما صاروا إلى الشّراب قال لهم مثل ذلك ، ففعلوا به ، وأخرجوا جاريتين فجلستا على سرير قد وضع لهما تغنّيان ، فغنّتا إلى العشاء ، ثم دخلتا ، وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها ، فجلستا أسفل السرير وجلست هي على السرير ، قال ابن مسجح : فتمثّلت بهذا البيت : [ من الطويل ] فقلت أشمس أم مصابيح بيعة بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم فغضبت الجارية وقالت : أيضرب مثل هذا الأسود بي الأمثال ! فنظروا إليّ نظرا منكرا ، ولم يزالوا يسكَّنونها ، ثم غنّت صوتا . قال ابن مسجح : فقلت أحسنت واللَّه ! فغضب مولاها وقال : أمثل هذا الأسود يقدم على جاريتي ! فقال لي الرجل الذي أنزلني عنده : قم فانصرف إلى منزلي ، فقد ثقلت على القوم ، فذهبت أقوم ، فتذمّم القوم وقالوا لي : أقم وأحسن أدبك . فأقمت ، وغنّت فقلت : أخطأت واللَّه يا جارية يا زانية وأسأت ، واندفعت فغنّيت الصوت ، فوثبت الجارية وقالت لمولاها : هذا أبو عثمان سعيد بن مسجح ؛ فقلت : أي واللَّه أنا هو ، واللَّه لا أقيم عندكم ! ووثبت ، فوثب القرشيّون ، فكلّ قال : هذا يكون عندي ، فقلت : واللَّه لا أقيم إلا عند سيّدكم - يعني الرجل الذي أنزله منهم - وسألوه عمّا أقدمه ، فأخبرهم الخبر . فقال له صاحبه : إني أسمر الليلة مع