ابن حمدون

26

التذكرة الحمدونية

أمير المؤمنين ، فهل تحسن أن تحدو ؟ فقال : لا ، ولكني أستعمل حداء . قال : فإنّ منزلي بحذاء منزل أمير المؤمنين ، فإذا وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك . ومضى إلى عبد الملك ، فلما رآه طيّب النّفس أرسل إلى ابن مسجح ، فأخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا : [ من الرجز ] إنك يا عبد المليك المفضل [ 1 ] إن زلزل الأقدام لم تزلزل عن دين موسى والكتاب المنزل تقيم أصداغ القرون الميّل للحقّ حتى ينتحوا للأعدل قال عبد الملك للقرشيّ : من هذا ؟ قال : رجل حجازيّ قدم عليّ ، قال : أحضره ، فأحضره ثم قال له : أحد مجدّا ، ثم قال له : هل تغنّي غناء الركبان ؟ قال : نعم ؛ قال : غنّه ، فتغنّى ، قال له : فهل تغنّي الغناء المتقن ؟ قال : نعم ، قال : غنّه ، فغنّى ، فاهتزّ عبد الملك طربا ، ثم قال له : أقسم أنّ لك في القوم أسماء كثيرة ، من أنت ، ويلك ! ؟ قال : أنا المظلوم المقبوض ماله المسيّر عن وطنه سعيد بن مسحج ، قبض عامل الحجاز مالي ونفاني . فتبسّم عبد الملك ثم قال : قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا عليك أموالهم ، وأمّنه ووصله ، فكتب إلى عامله يردد ماله وأن لا يعرض له بسوء . 46 - روي أنّ سليمان بن عبد الملك كان في بادية له يسمر ليلة على ظهر سطح ، ثم تفرّق عنه جلساؤه ، فدعا بوضوء فجاءته جارية له به ، فبينا هي تصبّ على يده إذ أومى بيده وأشار بها مرّتين أو ثلاثا فلم تصبّ عليه ، فأنكر ذلك فرفع رأسه فإذا هي مصغية بسمعها إلى ناحية العسكر ، وإذا صوت رجل يغنّي ، فأنصت حتى تسمّع جميع ما يغنّى به ، فلما أصبح أذن للناس ثم أجرى ذكر الغناء حتى ظنّ القوم أنّه يشتهيه ويريده ، فأفاضوا فيه بالتسهيل وذكر من كان يسمعه . فقال رجل من القوم : عندي يا أمير المؤمنين رجلان من أهل أيلة مجيدان