ابن حمدون

221

التذكرة الحمدونية

صورته ارتعت منه وقلت : يا جواريّ ، من هذا الهاجم علينا ؟ فتساعين إليه فزبرهنّ وقال : أنا عليّ بن أبي طالب ، فنهضت إليه وقبلت الأرض بين يديه ، فقال : لا ، لا ، وقلت : قد ترى يا مولاي ما أنا فيه ، فادع اللَّه لي بأن يكشفه ويهب لي ذكرا سويا محظوظا ، فقال : يا فلانة ، وسمّاني باسمي - وكذا كنّى الملك عضد الدولة عن الاسم - قد فرغ اللَّه ممّا ذكرت ، وستلدين ذكرا سويا نجيبا ذكيا عاقلا فاضلا ، جليل القدر ، سائر الذكر ، عظيم الصّولة ، شديد السّطوة ، يملك بلاد فارس وكرمان والبحر وعمان والعراق والجزيرة إلى حلب ، ويسوس الناس كافّة ويقودهم إلى طاعته بالرغبة والرهبة ، ويجمع الأموال الكثيرة ، ويقهر الأعداء ، ويقول بجميع ما أنا فيه - يقول الملك ذاك - ويعيش كذا وكذا سنة - لعمر طويل أرجو بلوغه - ولم يبين الملك قدره - ويملك ولده من بعده ، فيكون من حالهم كذا وكذا لشيء طويل ، هذه حكاية لفظه . قال الملك عضد الدولة : فكلما ذكرت هذا المنام وتأملت أمري وجدته موافقا له حرفا بحرف . ومضت على ذلك السنون ودعاني عمّي عماد الدولة إلى فارس ، واستخلفني عليها ، وصرت رجلا وماتت أمي . وحدث أبو الحسين الصوفي - يقول الملك هذا وأبو الحسين حاضر يسمع حديثه - : واعتللت علة صعبة أيست فيها من نفسي وأيس الطبّ مني ، وكانت سنتي المتحولة فيها سنة رديئة الدلائل ، موحشة الشواهد ؛ وبلغت إلى حد أمرت فيه أن يحجب الناس عني ، حتى الأطباء لضجري بهم ، وتبرمي بأمورهم ، وما أحتاج إلى شرحه لهم ، ولا يصل إليّ إلا حاجب النوبة ؛ وبينا أنا على ذلك وقد مضت عليّ فيه ثلاثة أيام أو أربعة ولا شغل لي إلا البكاء على نفسي والحسرة من مفارقة الحياة ، إذ دخل حاجب النوبة فقال : أبو الحسين الصوفي في الدار منذ [ الغداة ] يسأل الوصول ، وقد اجتهدت به في الانصراف فأبى إلا القعود ، وترك القبول ، وهو يقول : لا بد لي من لقاء مولانا فإن عندي بشارة ولا يجوز أن يتأخر وقوفه عليها وسماعه إياها . فلم أحب ان أجدّ به في المنع والصرف إلا بعد