ابن حمدون
222
التذكرة الحمدونية
المطالعة وخروج الأمر . فقلت له على مضض غالب وبصوت خافت : قل له كأني بك وأنت تقول قد بلغ الكوكب الفلاني إلى الموضع الفلاني ، وتهذي علي في هذا المعنى هذيانا لا يتسع له صدري ، ولا يحتمله قلبي وجسمي ، وما أقدر على سماع ما عندك فانصرف . فخرج الحاجب وعاد متعجبا وقال : إما أن يكون [ أبو ] الحسين قد اختلّ وإما أن يكون عنده أمر عظيم ، فإنني أعدت عليه ما قاله مولانا ، فقال : ارجع وقل له واللَّه لو أمرت بضرب رقبتي لما انصرفت أو أراك ، ومتى أوردت عليك في معنى النجوم حرفا فحكمك ماض فيّ ، وإذا سمعت ما أحدثّك به عوفيت في الوقت وزال ما تجده . فعجبت من هذا القول عجبا شديدا مع علمي بعقل أبي الحسين وشدة تحقيقه وقلَّة تحريفه ، وتطلعت نفسي إلى ما عنده ، فقلت : هاته ! فلما دخل قبّل الأرض وبكى ، وقال : أنت واللَّه يا مولانا في عافية ولا خوف عليك ، اليوم تبلّ وتستقلّ ، ومعي دلالة على ذلك . قلت : وما هي ؟ ولم أكن حدثته من قبل بحديث المنام الذي رأته أمي ولا سمعه أحد مني . فقال : رأيت البارحة في منامي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، والناس يهرعون إليه ، ويجتمعون عليه ، ويفاوضونه أمورهم ، ويسألونه حوائجهم ، وكأني قد تقدمت إليه وقلت له : يا أمير المؤمنين ، أنا رجل في هذا البلد غريب ، تركت نعمتي وتجارتي بالريّ ، وتعلقت بخدمة هذا الأمير الذي أنا معه ، وقد بلغ في علَّته إلى حدّ أيس فيه من عافيته ، وأخاف ان أهلك بهلاكه ، فادع اللَّه له بالسلامة . قال : تعني فنّاخسرو بن الحسن بن بويه ؟ فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال : امض إليه غدا وقل له : أنسيت ما أخبرتك به أمّك عني في المنام الذي رأته وهي حامل بك ؟ ألم أخبرها مدة عمرك وأنك ستعتلّ إذا بلغت كذا وكذا سنة علَّة ييأس فيها منك أهلك وطبك ، ثم تبرأ منها ، وفي غد يبتدئ برؤك ، ويتزايد إلى أن تركب وتعود إلى عاداتك كلها في كذا وكذا