ابن حمدون

187

التذكرة الحمدونية

خيل أهل العراق ، [ وكان الحجاج لا يخلط ] أهل الشام بأهل العراق . فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق وقيس العراق وتميم العراق [ وأزد العراق ] ، فلما رأوه اشرأبّوا إليه ، وبلغهم خروجه فقالوا له : ما عندك ، دافع اللَّه لنا عنك ؟ قال : ويحكم ! عمّوه بالخلع كما يعمّكم بالعداوة ، ودعوا التعادي بينكم ما عاداكم ، فإنّه أقوى أعدائكم ، وأحدّهم نابا ومخلبا ، وأجرؤهم ، إن ظفر بكم لا يدع منكم لسانا ينطق ، ولا عينا تطرف ؛ وإن أظفركم اللَّه به ، تراجعتم العداوة والتحارب بينكم أو تعافيتم . أيّها التميميّ ، هو واللَّه أعدى لك من الأزديّ ، وأيّها القيسيّ هو أعدى لك من التغلبيّ ، وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه من رؤسائكم . ثم هرب جامع من فوره ذلك إلى الشام ، فاستجار بزفر بن الحارث فأجاره . « 390 » - قال عليّ الحميريّ : لمّا أشخص المنصور أبا حنيفة إلى بغداد شخصت معه ، فقدم بغداد ، فحضر الدار ، وأعلم به المنصور ، فدخل إليه ثم خرج إليّ وهو ممتقع اللون ، فسألته عن حاله فقال لي : المنزل ، المنزل ! فمضيت معه فقال : إنّ هذا دعاني إلى القّضاء ، فأعلمته أني لا أصلح ، وافترصها منّي وظنّ أني قد كذبته ، فقال لي : قد جلست تفتي الناس ، وتزعم أنك لا تصلح للقضاء ، قال : فقلت له : إني لم أقل إني لا أصلح لأني لا أعلم أن البيّنة [ على المدعي واليمين على من أنكر ] ولكنه لا يصلح للقضاء إلا رجل له نفس يحكم بها عليك وعلى ولدك وعلى قوّادك ، وليست تلك النفس لي ، واللَّه يعلم أنك لتدعوني ، فما ترجع نفسي إليّ حتى أفارقك ؛ فلما سمع ذلك منّي أطرق ثم رفع رأسه إليّ ، وقال : فلم لا تقبل صلتي ؟ فقلت : أفوصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته ولم أقبله ؟ وإنّما وصلتني من بيت مال المسلمين ولا حقّ لي فيه ؛ لأني لست مقاتلا من ورائهم فآخذ مع المقاتلة ، ولست من ولدانهم فآخذ ما يأخذون ،

--> « 390 » مناقب أبي حنيفة للموفق بن أحمد المكي مع بعض اختلاف 1 : 191 .