ابن حمدون
186
التذكرة الحمدونية
بالقضاء ، فقال : أتهزا بي وأنا شيخ كبير ؟ ! فقال : ما أهزأ ، وعرّفه القصة . فقبّل بين عيني أبي محمد ، وتولَّى قضاء القضاة ، وأقام نحوا من أربع سنين . ثم اطَّلع بعد ذلك على خيانته ، ووقف للناس ثم تغيّرت الأحوال . « 389 » - كان جامع بن أمية المحاربيّ من الخطباء البلغاء وكان متديّنا [ صالحا ، وهو الذي قال للحجاج حين بنى ] مدينة واسط : بنيتها في غير بلدك ، وتورّثها غير ولدك . وشكا إليه الحجاج أهل العراق ، وأخبره عن سوء نيّاتهم ، وخبث سريرتهم ، وقلَّة طاعتهم ، وكثرة خلافهم ، فقال له جامع : أما إنّهم لو أحبّوك لأطاعوك ، على أنّهم ما [ شنئوك ] لنسبك ولا لبلدك ، ولا في بطنك وظهرك [ 1 ] ، فدع ما يبعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك ، والتمس العافية ممّن دونك تعطها ممّن فوقك ، وليكن إيقاعك بعد وعيدك ووعيدك بعد وعدك . قال الحجاج : إني واللَّه ما أرى أن أردّ بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف . قال : أيّها الأمير ، إنّ السيف إذا لقي السيف [ ذهب الخيار . قال الحجاج : الخيار ] يومئذ للَّه . قال : أجل ، ولكنك لا [ تدري ] لمن يجعله اللَّه . فغضب الحجاج وقال : يا هناه ! إنك من محارب . فقال جامع : [ من الطويل ] وللحرب سمّينا وكنّا محاربا إذا ما القنا أمسى من الطَّعن أحمرا قال الحجاج : واللَّه لقد هممت أن أخلع لسانك وأضرب به وجهك . قال جامع : إن صدقناك أغضبناك ، وإن غششناك أغضبنا اللَّه ، وغضب الأمير أهون علينا من غضب اللَّه . قال : أجل . وسكن الحجاج وشغل ببعض الأمر ، فانسلّ جامع وخرج من بين الصفوف من خيل الشام حتى صار إلى
--> « 389 » البيان والتبيين 2 : 135 - 137 والعقد 2 : 179 - 180 وعيون الأخبار 2 : 212 .