ابن حمدون
185
التذكرة الحمدونية
فقال : يجوز أن تقطع جدّي وآله مائة ألف ، قال : كيف ؟ فقال : لأنك قد ضمّنت القضاء لابن أبي الشوارب بمائة ألف ، وتحيّل عليه الغلمان في الشهوات والخمور ، وما بقي من آثار رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وشريعته إلا الحكم ، فلو تركت هذه المائة ألف له . فقال : قد فعلت ، ولكن انظر من يصلح للقضاء ، فأثبته لي حتى أولَّيه لمن يعمل فيه بالواجب . فمضى أبو عبد اللَّه ابن الداعي إلى أبي عبد اللَّه البصريّ ، وسأله من يصلح لذلك ، فأملى عليه ستّة عشر نفرا : أبو بكر الرازيّ ، وابن معروف ، وأبو بكر بن سيّار من أصحاب أبي حنيفة ، وأبو بكر الأبهريّ ، وأبو الحسن ابن أمّ شيبان من أصحاب مالك ، وأبو بشر بن أكثم من أصحاب الشافعيّ . فجاء ابن الداعي إلى ابن بويه وعرض عليه الأسماء ، فقال : أمّا أبو بكر الرازي وأبو بكر الأبهري ، فكلّ واحد منهما يصلح أن يكون قاضي قضاة الدنيا فضلا عن بغداد ، ولا مطعن عليهما في شيء ، إلا أنّ أخي ركن الدولة أبا عليّ إن بلغه هذا يقول : أما وجد ببغداد - وهي حضرة الخلافة - أحدا يولَّيه القضاء حتى ولَّى من هو من أهل عملي ، والسياسة توجب . . . يرجع إليهما . وأما أبو محمد بن معروف ، فقيل لي إنّه يحضر الغناء . وبعد أن جعلت في نفسي أن أولَّي هذا الأمر للَّه ، فلا أريد أن أولَّي فيه من يتطرّق عليه بشيء . وأمّا أبو الحسن ابن أمّ شيبان فيصلح لهذا ، وقد كان تولَّى قضاء القضاة قبل هذا ، ولكنه هاشميّ وهو ابن عمّ الخليفة ، ومتى صار القضاء إليه وازر الخليفة ولم أطقه ، وخرج القضاء عن يدي . وأمّا أبو بكر بن سيّار ، فكنت قد أنفذته في رسالة إلى الأهواز ، فعاد وأهدى إليّ غلاما حسنا وهو يعرف رأيي في الغلمان ، ومن يتقرّب بمثل هذا لا أريد أن أولَّيه القضاء ، فقلت له : أبو بشر ؟ وعرّفت أبا عبد اللَّه البصريّ ، فقال لأبي محمد الأكفاني : امض إلى أبي بشر ابن أكثم وسلَّم عليه بقضاء القضاة ، وعرّفه الحال ليعلم أنّ هذا من قبلنا ، وتكون لنا عنده يد . فمضى إلى أبي بشر ، وكان شيخا قد كبرت سنّه ، فسلَّم عليه