ابن حمدون
284
التذكرة الحمدونية
العقارب ، خمص الخصور ، قبّ البطون ، رقش المتون ، حمر الآماق ، خزر الحداق ، هرت الأشداق ، عراض الجباه ، غلب الرقاب ، كاشرة عن أنياب كالحراب ، تلحظ الظباء من أبعد غاياتها ، وتعرف حسّها من أقصى نهاياتها ، تتبع مرابضها وآثارها ، وتنسّم روائحها وأنشارها . فأقبلنا من تجاه الريح إليها وأغذذنا السير نحوها ، ثم دببنا لها الضّراء ، وشننّا عليها الغارة الشعواء ، وأرسلنا [ 1 ] فهودنا إليها ، فانقضّت كالشهب عليها ، جائلة في أدمها وعفرها ، صائلة بعترها وشصرها [ 2 ] . وجرت خيلنا في آثارها ، كاسعة لأدبارها ، فألقينا كلَّا منها على ظبي قد افترسه وافترشه ، وصرعه وجعجعه ، فصانعناها بالدماء فقنعت وولغت ، واستنزلناها عن الظباء فسامحت ونزلت . وأوغلنا من بعد في اللحاق بما شذّ وشرد ، وقصّ أثر ما ندّ وبعد ؛ قد انتهت النوبة إلى الكلاب والصقور ، وفي صحبتنا منها كلّ كلب عريق المناسب ، نجيح المكاسب ، حلو الشمائل ، نجيب المخايل ، حديد الناظرين ، أغضف الأذنين ، أسيل الخدين ، مخطف الجنبين ، عريض الزّور ، متين الظهر ، أبيّ النفس ، ملهب الشدّ ، لا يمسّ الأرض إلا تحليلا وإيماء ، ولا يطأها إلا إشارة وإيحاء ؛ وكلّ صقر عميم الجسم ، مصمت العظم ، ماض كالحسام ، قاض كالحمام ، كثير التلفّت ، طويل التلهف ، متيقّظ في نواظره ، مشتطَّ في مطالبه ، خفيف النهضة إلى ما يريد ، ثقيل الوطأة على ما يصيد . فما لبثنا أن أشرفنا على يعافير متطرّفة ، ويحامير متعزّبة ، فخرطنا القلائد والشّباقات ، فمرّت مترافقات متوافقات ، قد تباينت في الصور والأجناس ، وتألَّفت في الارتياد والالتماس ، فسبقت الصقور إليها ضاربة وجوهها ، ناكسة رؤوسها ، ولحقت الكلاب بها منشبة فيها ، مدمّية لها . وبادرناها مجهزين ، وغنمناها فائزين . واعترضنا في المرجع - أيد اللَّه الأمير - عانة من حمير ، لم نحتسبها ولم نطمع في الوقوع على مثلها ، فثاورها سرعان خيلنا ، وخالطها فتّاك