ابن حمدون

285

التذكرة الحمدونية

فرساننا ، فصرعنا منها جحشا ومنعنا مما سواه شدّة الكلال والملال ، وامتلاء الحقائب من الأثقال . وانقلبنا - أيد اللَّه الأمير - إلى معرّس كنا استطبناه بادئين ، وأعددناه للاستراحة عائدين . وقد وجب الجمع بين صلاتي الظهر والعصر ، فنزلنا ريثما صلينا ، وعرفنا عدد ما صدنا ، واجتمع إلينا أهل موكبنا ، ونهضنا فأتممنا ، وأخذنا في صيد ما يقرب ويحفّ ، وتحصيل ما يلوح ويستدفّ ، فكان ذلك حبارى أرسلنا بعض شواهيننا إليه ، فثاوره وهو يتّقيه ، وثاقفه وهو ينتحيه ، يعلو عليه تارة ويستفل [ 1 ] عنه أخرى ، كالفارسين المتطاردين ، والبطلين المتنازلين ، فداما كذلك ساعة أو ساعتين ، إلى أن اعتلقه ، وهبط به ، وخبطه وجثم عليه . وكان قريبا منه قنبر أطلقنا عليه يؤيؤا لنا ، فعرج إلى السماء عروجا ، ولجّج في إثره تلجيجا ، كأنّ ذلك يعتصم منه بالخالق ، وكأنّ هذا يستطعمه من الرازق ، حتى غابا عن النظار ، واحتجبا عن الأبصار ، وصارا كالغيب المرجّم ، والظنّ المتوهّم ، حتى خطفه ووقع به وهما كهيئة الطائر الواحد ، فأعجبنا أمرهما ، وأطربنا منظرهما ، ووردنا المنازل سالمين ، وولجناها غانمين ، والغزالة مصوّبة للغروب ، مؤذنة بالمغيب ، والجوّ في أطمار منهجة من أصائله ، وشفوف مورّسة من غلائله . فالحمد للَّه الذي قدر الأرزاق ونزّلها ، ويسّرها وسهّلها ، وآتاها عباده من مستصعب جهاتها ، وممتنع مراماتها ، وجعل لهم في الأطيار السارية والوحوش الجارية طعما من أطايبها ، وخدما من جنائبها ، وعلمهم تذليل شامسها وآبيها ، واستجابة نافرها وعاصيها ، إسباغا للمواهب ، وإرغادا للمعايش ، وإمتاعا بالأوطار ، وإسعافا بالمسارّ . وإياه أسأل أن ينصر راية الأمير في دقيق الأغراض وجليلها ، ويقضي الظفر لها في جسيم المطالب وضئيلها ، حتى يكون شعاره في