ابن حمدون
312
التذكرة الحمدونية
تزكية لنفسي ولكن أقوله تعزية لأمّي لتسلو عني . قالت له : واللَّه إني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا بعد أن تقدمتني ، فإنّ في نفسي منك حوجاء حتى أنظر إلى ما يصير أمرك . ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة وبرّه بأمّه . اللهمّ إني قد سلمت فيه لأمرك ، ورضيت منك بقضائك ، فأثبني في عبد اللَّه ثواب الشاكرين . فودّعها فوجدت مسّ الدّرع تحت ثوبه . فقالت : ما هذا فعل من يريد ما تريد . فقال : إنما لبسته لأشدّ منك . قالت : فإنه لا يشدّ منّي . وقال لها فيما خاطبها به : إني ما أخاف القتل وإنما أخاف المثلة ، فقالت : يا بنيّ إنّ الشاة لا تبالي بالسّلخ بعد الموت . وكانت تقف على خشبته وهو مصلوب فتقول : لقد قتلوك صوّاما قوّاما ظمآن الهواجر ، ومن قتل على باطل فقد قتلت على حقّ ؛ وما ينزل [ 1 ] من عينها قطرة . ووقفت عليه بعد مدة من صلبه فقالت : أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟ ! « 756 » - ومن عظيم صبر النساء وعجيبه ما كان من أمر أمّ سليم امرأة أبي طلحة الأنصاريّ : مرض ابنها منه فمات ، فسجّته في المخدع ثم قامت فهيأت لأبي طلحة إفطاره ، كما كانت تهيئ له كل ليلة ، فدخل أبو طلحة وقال لها : كيف الصبيّ ؟ قالت : بأحسن حال بحمد اللَّه ، ثم قامت فقربت إلى أبي طلحة إفطاره ، ثم قامت إلى ما تقوم إليه النساء ، فأصاب أبو طلحة من أهله ، فلما كان في السحر قالت : يا أبا طلحة ألم تر آل فلان استعاروا عارية فلما طلبت منهم شقّ عليهم ، فقال : ما أنصفوا ، قالت : فإنّ ابنك كان عارية من اللَّه وإنّ اللَّه قد قبضه
--> « 756 » هي أم سليم بنت ملحان تزوجها مالك بن النضر فولدت له أنس بن مالك ثم خلف عليها أبو طلحة وقصتها المروية هنا وردت في طبقات ابن سعد 8 : 431 والإصابة 8 : 243 .