ابن حمدون
151
التذكرة الحمدونية
المتأخرين إلى مراتب المتقدّمين ، حتى جمّت عنده الأموال ، وتأثّلت له الأحوال ، ووطىء عقبه من الأولياء من هم أكرم منه حسبا ، وأفضل أمّا وأبا ، وأنني حملته على حكم الرعاية الذي لا يزال يحمل عليه ، من تظاهر الصنيعة لديه ، وتقادم الإحسان إليه ، إيفاء به على تلك الغاية ، وزيادة له في الإيجاب والعناية ، وإفاضة لسجال المواهب عليه حالا بعد أخرى ، وثانية تلو [ 1 ] أولى ، فكان يقابل جميع هذه الحقوق بالنّكث والنّقض ، والكفر المحض ، إرصادا للدولة ، واستعدادا للوثبة ، وإسرارا للغيلة ، وإعمالا للحيلة ، وإفسادا لسفهاء الرجال الذين علم منهم ضعف النحائز ولؤم الغرائز ، والإسفاف إلى الدنية ، والإيضاع في الفتنة . وتمادت بي وبه الأيام في تناولي إياه بالتسكين والتأنيس ، ومضيّه على غلوائه في الإدهان والتلبيس ، إلى أن بلغت عقاربه في دبيبها إلى الأخ أبي نصر ، فصادف منه حدثا غرّا ، وصبيا غمرا ، فأزاله عن سبيل الرشاد ، واستزلّ قدمه عن مقام السّداد ، وساعده على جميع ذلك أوثق كتّابي - كان - عندي ، وأقدمهم رتوعا في نعمتنا ، وأولاهم بالوفاء لنا ، لولا أنّ البطنة نزت به ، والشقوة انتحت له ، فلان بن فلان . منها : إلى أن حكم اللَّه بينهما حكمه العادل ، وأمضى عليهما أمره النافذ ، بإظهار رايتنا المنصورة ، وتنكيس تلك الراية المخذولة [ 2 ] ، فانهزم أسفار وفلان ، فريدين وحيدين ، واستباح الأولياء ما كان هذا اللعين اشتمل عليه من أموالنا ، وحاربني به من سلاحي وكراعي ، وحصل الأخ أبو نصر في قبضتي أسيرا نادما ، ومتأسّفا واجما ، وقتل في المعركة خلق كثير من أولئك الفسقة ، واستأمن الباقون ، ولجج سرعان الخيل في قصّ آثار الهاربين ، ولا شكّ أنّ اللَّه يظفر بهم أجمعين على عادة