ابن حمدون

121

التذكرة الحمدونية

قد وقع الأمر في ذلك موقع الظلم لعلَّتين : إحداهما أنه كان ينبغي أن تتقدّم إليّ بما تحبّ لأتّبعه وما تكره لأجتنبه ، فإن ملت عن الواجب في أحد الأمرين فالعتب حينئذ واقع موقعه ، وإلا فما الحجة عليّ ، قال اللَّه عزّ وجلّ وهو أولى من اتّبع علمه وأطيع أمره * ( وما كانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) * ( التوبة : 115 ) اللهمّ إلا أن تكون عاتبا بسبب فلان ، وقد رددت الحكم فيه إليك ، فإن خفّ الكتاب عليك نفذت لأمرك ، وإن ثقل حملت نفسي على ما تحبّ ، وإن نالني ما أكره . وكان ينبغي أن تنتظر بالعتاب رجوع الجواب ، فإن خالفت أمرك فأنا أسرع إلى الحكم لك على نفسي منك . وقد أنصفت أخت جسّاس في قولها : [ من الرمل ] يا ابنة الأقوام إن شئت فلا تعجلي باللوم حتى تسألي فإذا أنت تيقّنت التي عندها اللوم فلومي واعذلي ولست بحمد اللَّه ممن يعيب وليه ولا يغتنم زلَّته وهفوته ، بل يبسط العذر حين لا عذر له ، ويقيم الحجة إن وجبت له عليه . وفي دون ما قلت ما أغنى ، لأنّ الاختصار إذا لم يكن كافيا ، فإنّ الإكثار أحرى أن لا يكفي . 352 - قيل : وجد حماد بن أبي سليمان [ 1 ] أستاذ أبي حنيفة زلَّة كانت منه إليه ، فأظهر الإعراض عنه ، فكتب إليه أبو حنيفة رقعة يقول فيها : من كان ذنبه إلى الكرام ، والعفو عنه في أبدي الصالحين ، وتوبته إلى الرحماء ، وجنايته إلى الحكماء ، كان حريّا بالسلامة ، وجديرا بالتخلَّص من الملامة ، وكان ذلك من سعادة جدّه ، ومن التوفيق الذي لا يسلمه إلى أشدّ [ 2 ] عاقبة أمره . فلما قرأها حماد صفح عن زلَّته ، وأعاده إلى رتبته .