ابن حمدون
378
التذكرة الحمدونية
البالعة ، وأسأله الصلاة على رسوله المبعوث بالاسلام ، والآمر بافشاء السلام ، وصلات الأرحام ، وبذل الطعام ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وشرّف وكرّم . أما بعد : فاني رأيت أهل هذه الصناعة قد قلَّوا ، ومحّصوا حتى ذلَّوا ، فلم يبق لهم ذكر إلا خمل ، ولا نجم إلَّا أفل ، ولا علم إلا فقد ، ولا نهم إلا أتخم واستشهد ، فصار لا يوجد منهم في البلد العظيم ، والإقليم بعد الإقليم ، أحد مقيم بحقوقها ، ومستقلّ بأعباء علومها ، ويعرف ما يعترضها من العلل [ 1 ] ، ويخبر ما فيها من المكر والحيل ، وكيف التوصّل إلى الولائم المشهودة ، والهجوم على الموائد المنصوبة . وإنما قصار الواحد منهم أن يأنس ببعض كرماء دهرنا بواسطة الاتّفاق ، وحسبك ضيق المذاق والأخلاق ، فيحضر طبقه إما مستأذنا في الوصول ، أو متسببا في الحصول [ 2 ] . فإذا جلس شمّر عن ساعده تنظَّفا ، ورفع أذيال ثوبه تظرّفا ، وأظهر أن الطعام بأنملته ، لا يلتصق بحافّة من حافات شفته ، مقتصرا من آلة حرفته وأداة صناعته على تجريد اللحم ، وتجويد اللَّقم ، حتى إذا أكل المختار الطيّب ، وتناول المقدار المستقرب [ 3 ] ، زعم الانتهاء ، وادّعى الشّبع والاكتفاء ، وجعل ما يستمدّه من بعد على وجه التملَّح والتعجيب ، وطريق التنادر والتقريب . وعساه لا يبلغ في الاستزادة والاكثار ، أقصى مدى تلك السادة الأبرار . وهذا أيدكم اللَّه الذي أبطل صناعتكم وعفّى آثارها ، وأفسد نظامها وأطفأ أنوارها . فصار الناشئ فيها غير عارف بقوانينها ، ولا واجد بصيرا بأفانينها ، فهو يخبط العشواء [ 4 ] منقبضا تارة ومنبسطا ، ويخلط ما جاء صوابا مرّة وغلطا ، لا يعرف فضل المستكره على المختار ، ولا ميزة [ 5 ] الهاجم على