ابن حمدون
379
التذكرة الحمدونية
المستزار ، ولا يعلم أنّ المغافصة والمغالبة ، والمجاحشة والمواثبة ، مذاهب الأشياخ القدماء ، وعادات أهل الصنعة الألبّاء ، إلى غير ذلك من شرائط هذا العمل الجليل ، وسنن كلّ وقاح أكيل . ونحن ننطق في كتابنا هذا إليكم بلسان الشّره المليم ، ونستمدّ لكم التوفيق من شيطان المعدة الرجيم . فأول ما أفهمكم إياه ، وأنفعكم معناه ، معاشر الإخوان ، ورفقاء المائدة والخوان ، أن تعلموا أن من صفق وجهه رقّ عيشه ، ومن سعت قدمه طاب مطعمه ، ومن أساء أدبه بلغ أربه ، ومن قلّ حياؤه ساعدته أهواؤه . وهذه وصيّة نبذت إليكم حكمها ، وفرضت عليكم تعلَّمها . وأن تديموا دخول الحمّام ، في صبيحة كلّ يوم من الأيام ، فتمرّخوا المعدة ، وتطلبوا التقلَّب والتمدّد ، ففي ذلك راحة من كد السّهر ، وحدر لبقايا الطعام المعتكر . وتعقّبوه بتناول الجوارشنات ، والسفوفات الفاتقة للشهوات ، ثم تطرحوا أفكاركم يمنة ويسرة ، وعيونكم خفية وجهرة ، فتوكدوا الوصاة [ 1 ] عليهم ، وتوثّقوا في العهود إليهم : لا تتركوا بابا لمنقية ولا دربا لمنقين ، ولا سفينة [ 2 ] ولا موضعا موسوما [ 3 ] بكراء الحمير ، ولا صقعا معروفا بالخانات والمواخير ، إلا اخترقتموه مساء وصباحا ، وطرحتموه غدوة ورواحا . وتتبعوا ولائم الإعذار [ 4 ] ، ودور الورّاث والقمار ، وحمالي الفرض ، وشواني الربض ، وحلق الممخرقين ، ومقامات المثاقفين ، ومظانّ مناطح الكباش ، ومواطن التنازق والهراش ، وتسترشدوا قوّام المشاهد ، وصالحي المساجد ، وعجائز العكاكيز ، وروائح الدهاليز . ولا يجوز أن يخفى عليكم حينئذ خافية ، ولا تستر دونكم عورة دانية ولا قاصية ، فإذا عادوا بالنبأ الواضح ، وفازوا بالخبر الصالح ،