ابن حمدون

367

التذكرة الحمدونية

إلى الصّلاح مذهبا وخليقة ، وأحواهم للخلال التي أجمعوا على تمييزك بها عنهم وانفرادك ، واستحقاقك للاسعاف من بينهم بمأمولك ومرادك ، وكونك [ 1 ] حاليا بشروط الجثلقة المتعارفة عندهم بأدواتها ، مشهودا لك بنعوتها الكاملة وصفاتها ، وحضر جماعة من النصارى الذين يرجع إليهم في استعلام سيرة أمثالك ، واستطلاع أنباء مضارعيك وأشكالك ، وذكروا أنهم تصفّحوا أحوال ذوي الديانات فيهم ، واستثبتوا باديهم منها وخافيهم ، بحكم مساس حاجتهم إلى جاثليق ينظر في أمورهم ، ويراعي مصالح جمهورهم ، فاتفقوا باجتماع من آرائهم ، والتئام من قلوبهم وأهوائهم ، على اختيارك لرياسة دينهم ، ومراعاة شؤونهم ، وتدبير وقوفهم ، والتسوية في عدل الوساطة بين قويّهم ، وضعيفهم ، وسألوا إمضاء نصّهم [ 2 ] عليك بالاذن الذي به تستقرى قواعده ، وتصدق مواعده ، وتستحكم مبانيه ، وتقوى أواخيه ، فأوعز باسعافهم في ما سألوه بالإيجاب ، وإلحافهم في ما طلبوه جناح الاطلاب . وبرز الاذن الامامي الأشرف ، لا زالت أوامره بالتوفيق معضودة ، بترتيبك جاثليقا لنسطور النصارى بمدينة السلام ، ومن تضمّه منهم ديار الاسلام ، وزعيما لهم ولمن عداهم من الروم واليعاقبة والملكية في جميع البلاد ، وكلّ حاضر من هذه الطوائف وباد ، وانفرادك عن كافّة أهل نحلتك ، بتقمص أهبة الجثلقة المتعارفة في أماكن صلواتكم ، ومجامع عباداتكم ، غير مشارك في هذا اللباس ، ولا مسوّغ في التحلَّي به لمطران أو أسقف أو شماس ، حطَّا لهم عن رتبتك ، ووقوفا بهم دون محلَّك الذي خصصت به ومنزلتك . وإن ولج أحد من المذكورين باب المجاذبة لك والخلاف ، وراع سرب المتابعة لك وأخاف ، وأبى النزول على حكمك ، وعدل إلى حربك عن سلمك ، كانت المقابلة به لاحقة ، والعقوبة به على شقائقه حائقة ، حتى تعتدل قناته ، وتلين بالقرع صفاته ، ويزدجر أمثاله عن مثل مقامه ،