ابن حمدون
366
التذكرة الحمدونية
بإمامته نجوم العدل فما تغور ، وأقام بها أسواق الخيرات فما تكسد بضائع طالبيها ولا تبور ، وحمى بحسن رعايته حمى الدين فما يذعر سربه ، ولا يكدّر شربه ، ولا يفلّ غربه ؛ وخصّ الرعية من رأفته بمنحة أرهفت شذاتها ، وثقّفت بعد الالتواء قناتها ، وجمعت أشتات صلاحها ، ويسّرت دواعي فلاحها ، فهي محظوظة في كنف عدله ، مغتبطة بخروجها من حزن العيش إلى سهله ، بنعمته [ 1 ] التي شحذت في الطاعة بصائرها ، واستخلصت مبادرتها في المتابعة ومصابرتها ، وشفعت ظواهرها [ 2 ] في العكوف على الدعاء لآبائه ، وبسطت آمالها بعد الانقباض وأحصدت مرائرها . وهو يستوزع اللَّه عزّ وجلّ شكر هذه النعمة ، ويستجزل بالتحدّث بها خطَّة منها وقسمة . وما توفيقه إلا باللَّه عليه يتوكَّل وإليه ينيب . وان أمير المؤمنين بما وكله اللَّه إليه من أمور عباده ، وحمّله أعباءه في أرضه وبلاده ، يرعي الأمة من اهتمامه عينا يقظى ، ويوليها في عامة متصرفاته [ 3 ] حراسة شاملة وحفظا . ويتفقد أحوالها ، تفقدا يصلح بالها [ 4 ] ، ويصل حبالها [ 5 ] ، ويعشب مرادها ، ويكثب مرادها [ 6 ] ، ويعمّ بذلك عموما يشترك فيه المسلم منها والمعاهد ، والداني والمتباعد ، وطوائف الملل من أهل الكتاب الذين خفرهم عهد الشرع وذمّته ، وكنفتهم حياطته وحمايته ، ليفيء [ 7 ] عليهم ظلّ الحسنى بأجمعهم ، ويقترن مرآهم في النظر لهم بمسمعهم . ولما أنهيت حالك لأمير المؤمنين ، وأنك أمثل أهل نحلتك طريقة ، وأقربهم