ابن حمدون
365
التذكرة الحمدونية
واخترع [ 1 ] المصنوعات بغير [ 2 ] قياس اتّبعه ولا دليل ، وأقام شواهد البيّنات على وحدانيّته ، ومعجزات البراهين على عجائب حكمته ، ما أيقنت معه العقول والبصائر ، وشهدت له القلوب العارفة والضمائر ، أنّه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولا شارك في ملكه أحدا ، ولا ولد فيكون مولودا ، ولا ولد فيكون محدودا ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . والحمد للَّه الذي اختار محمدا من أشرف العرب منصبا ، وأكرمها أمّا وأبا ، وبعثه بالبرهان الساطع ، والحقّ الصادع ، والحجج الواضحة ، والخلائق الصالحة ، والناس في مجاهل الضلالة حائرون ، وعن مناهج الهدى جائرون ، على حين فترة من الرسل ، واشتباه من السبل ، وتفرّق من الملل ، واستمرار من الزيغ والزلل ، فلم يزل الأمر به مبلَّغا ، وبجهده في إمحاض النصيحة للأمة مستفرغا ، حتى طمس معالم الباطل ، ودفع عن وعد الصلاح ليّ الماطل ، وأضحى الاسلام مرفوعا رايته ، بعيدة غايته ، منتشرة في الآفاق دعوته ، مؤيّدة بالنصر المبين كلمته ، وأنجز اللَّه تعالى له ما وعد في إعلاء دينه على الدين كلَّه وإظهاره ، وإعزاز أشياعه وأنصاره ، ونسخ الملل السالفة بملَّته التي ختم بها الأديان ، وأنزل عليه الكتاب المبشّر لمّتبعها بما فيه من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلَّه ولو كره المشركون . فصلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه ، صلاة تزلف محلَّه ، وتوازي شرفه وفضله ، ما طرف طرف النهار بسدفة العشيّ ، وصرف صرف المكروه بلطف اللَّه الخفيّ . والحمد للَّه على أن حاز لأمير المؤمنين من شرف الخلافة ميراث آبائه ، وصرف إليه منها ما هو أحقّ بارتداء ردائه ، وبوّأه من الإمامة العظيمة متبوأ [ 3 ] تخرّ الجباه سجّدا لجلاله ، وتنسب مفاخر الدين والدنيا إلى جماله ؛ وأطلع