ابن حمدون
358
التذكرة الحمدونية
ومنه : واعلم أن أمير المؤمنين قد فضّلك على أهل بيتك طرّا ، ورفعك فوقهم جميعا بعد أن كنت واحدا منهم ، واختصّك دونهم بعد مساواتك لهم ، فسر في تطبيقهم سيرته ، واسلك في ترتيبهم طريقته ، حتى إذا عممتهم بالكرامة التي توجبها أنسابهم وتقتضيها قرباهم ، خصصت بأكابرهم زيادة [ 1 ] الإجلال والتوقير ، وإذا شملتهم بالصيانة التي يؤثرها أمير المؤمنين ، وتوجبها شرائط الدين ، ميّزت أصاغرهم بفضل الحنوّ والعطف . وكن لأفعال كلا الفريقين [ 2 ] ممتحنا ، وفي أعمالهم متفرسا ، فمن وجدته متوخيا من جميل الخلائق ، ومستقيم الطرائق ، مذهبا للشرف موافقا ، وبسجايا السّلف لائقا ، فزده إحسانا تكافيه فيه عن مرضيّ إيثاره ، وتدعو غيره إلى مشاركته في جميل [ 3 ] اختياره . ومن ركب قبيحا يعود على ديانته بجرح ، وعلى أمانته بقدح ، ما لم يستوجب حدا معلوما ، ويستحقّ جزاء محتوما ، فلا تعجل عليه بالعقاب ، واستأن معاودته للصواب ، ونبّهه بالذكرى النافعة للمؤمنين ، واعطفه بالموعظة [ 4 ] الناجعة في الصالحين . فإن تراجع [ 5 ] وتاب ، وأقلع وأناب [ 6 ] ، فأعنه على الأوبة ، واقبل منه التوبة ، وبوّئه منزل مثله ممن جهل ثم حلم ، وأذنب ثم ندم ، وكن له بمكانك [ 7 ] لصالحي أهله ، وأجره مجرى خيار قومه . ومن ضرب عن الادّكار [ 8 ] صفحا ، وطوى دون الانذار كشحا ، ولم يغن فيه التوقيف دون التثقيف ، ولا التعليم دون [ 9 ] التقويم ، فحكَّم كتاب اللَّه عزّ وجلّ