ابن حمدون
335
التذكرة الحمدونية
منك في اليوم الذي خلَّفت [ 1 ] . وإذا قمت إلى الصلاة فأحسن الوضوء ثم صلّ صلاة المودّع فإنه يوشك أن تصلَّي صلاة لا تصلَّي بعدها . ثم رفع رأسه إلى السماء فقال : أشكو إلى اللَّه بعد المفازة وقلَّة الزاد . وهذه الوصية مثل التي قبلها إلا ألفاظا يسيرة . 986 - كتب سفيان الثوري إلى عبّاد بن عباد : أما بعد فانّك في زمان كان أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يتعوّذون أن يدركوه في ما بلغنا ، ولهم من العزم ما ليس لنا ولا لك ، ولهم من العمل ما ليس لنا ولا لك . فكيف بنا وقد أدركناه على قلَّة علم وبصر ، وقلَّة أعوان على الخير ، وكدر من الدنيا ، وفساد من الناس ؟ فعليك بالعزلة وقلة مخالطتهم فان عمر يقول : إياكم والطمع فإنه فقر حاضر ، وإن اليأس غنى ، وفي العزلة راحة من خليط السّوء . وكان سعيد بن المسيب يقول : العزلة عبادة . وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض ، فأما اليوم فقد ذهب ذلك ، والنجاة في تركهم فيما ترى . وإياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء . وإياك أن تخدع فيقال : ذلك رجل تشفع فيه تردّه عن مظلوم أو تردّه عن مظلمة ، وإنما ذلك خديعة إبليس اتّخذها فخا . وكان يقال : اتقوا فتنة العابد وفتنة العالم فان فيهما فتنة لكلّ أحد [ 2 ] . وإياك أن تكون ممن يحبّ أن يعمل بقوله أو يسمع من قوله ، فإذا لم تزل كذلك فقد عرفت . وإياك وحبّ الرياسة ، فان الرجل تكون الرياسة أحبّ إليه من الذهب والفضة ، وهذا باب غامض لا يبصره إلَّا البصير من العلماء . واعمل بنية فان الحسن رحمه اللَّه كان يقول : رحم اللَّه عبدا وقف عند همّه ، فإنه ما من عبد يعمل حتى يهمّ ، فإن كان له مضى ، وإن كان عليه أمسك ، فان النيّة ليست كلّ ساعة تقع . وان طاووس قيل له : ادع لنا بدعوات فقال : ما أجد الآن لذلك نيّة . وكان حذيفة رضي اللَّه عنه يقول : يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا بمثل دعاء الغريق . وسئل حذيفة