ابن حمدون

242

التذكرة الحمدونية

فاض عليها من عند اللَّه باللطف الخفيّ ، والاصطفاء السنيّ ، والاجتباء [ 1 ] الذكي ، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة ، فتراهم حضورا وهم غيّب ، وأشباها وهم متباينون ، وكلّ صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة ، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ . وهذا كما تقول الملوك ساسة ، ولكلّ واحد منهم في حاله خاصة ، وهؤلاء شعراء ولكلّ واحد منهم بحر ، وهؤلاء بلغاء ولكلّ واحد منهم أسلوب ، وهؤلاء علماء ولكلّ واحد منهم مذهب . « 701 » - وقيل : العقل عقلان : فعقل تفرّد اللَّه عزّ وجلّ بصنعه ، وعقل يستفيده المرء بأدبه وتجربته . ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلَّا بصحة العقل المركَّب في الجسد ، فإذا اجتمعا قوّى كلّ واحد منهما صاحبه تقوية النار في الظلمة نور البصر . 702 - قال سهل بن هارون ، فيما ترجمه عن الحكماء : إنّ المعرفة لا تحيط بمقدار عقل في إنسان ، حتى إذا أراد واصف أن يصفه لم يتجاوز حدّه إلى زيادة ولم يقصّر عنه نقصان . وذلك أنّ العقل ثبات المعرفة ، وقد يوجد الإنسان ثابت المعرفة بشيء وغير ثابتها بشيء آخر ، فلا يقدر على إحصاء ما تثبت فيه معرفة المرء مما لا تثبت إلَّا الخالق ، غير أنّ قلوب ذوي الألباب موازين معرفتها لا يزن بها أحد بعد اختباره وصحة الفهم له إلَّا كادت أن تضعه في ميزان عدل منها . وللقلوب في ذلك بما طوّقت من الفهم فضل على الألسن بما طوّقت من النطق وإن كانت تراجمة للقلوب . ألا ترى أنّ قائلا لو اجتهد في وصفه لما أتى على كنه معرفة قلبه ، وليس ذلك لكلال من اللسان يلزمه عيبه ، ولكنّ الفهم ألطف منه مدخلا وأدقّ مسلكا .

--> « 701 » ربيع الأبرار 3 : 142 ونهاية الأرب 3 : 234 .