ابن حمدون
241
التذكرة الحمدونية
العقل من جهة النقل ما روي أنّ ابن سلام سأل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وعلى آله في حديث طويل في آخره وصف عظم العرش ، وأنّ الملائكة قالت : يا ربّ خلقت شيئا أعظم من العرش ؟ قال : نعم العقل ، قالوا : وما بلغ من قدره ؟ قال : هيهات لا يحاط بعلمه ، هل لكم علم بعدد الرمل ؟ قالوا : لا ، قال : فإني خلقت العقل أصنافا شتّى كعدد الرمل ، فمن الناس من أعطي حبّة ، ومنهم من أعطي حبتين ، ومنهم الثلاث والأربع ، ومنهم من أعطي فرقا ومنهم من أعطي وسقا ، ومنهم أكثر من ذلك . آخر كلام أبي حامد . ونذكر الآن ما جاء من كلام الحكماء والأدباء ونظم الشعراء في العقل والعاقل والجهل والجاهل ، وأخبارا تناسب ذلك وتجري معه إن شاء اللَّه تعالى . 700 - قال أبو سليمان محمد بن بهرام السجستاني المنطقي : الناس أصناف في عقولهم ، فصنف عقولهم مغمورة بشهواتهم ، فهم لا يبصرون بها إلَّا حظوظهم المعجّلة ، فلذلك يكيسون في طلبها ونيلها ، ويستعينون بكلّ طاقة ووسع على الظَّفر بها . وصنف عقولهم متنبّهة لكنّها مخلوطة بسنات الجهل ، فهم يحرصون على الخير واكتسابه ويخطئون كثيرا ، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلَّتهم الأولى ، وهذا نعت موجود في العبّاد الجهلة والعلماء الفجرة ، كما أنّ النعت الأول موجود لطالبي الدنيا بكلّ حيلة ومحالة . وصنف عقولهم ذكيّة متلهّبة [ 1 ] لكنها عميّة عن الآجلة ، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة ، والوصايا اللطيفة ، والسمعة الربّانية . وهذا موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم ، ولا حقّ عندهم الحقّ اليقين ، وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشيمون في طلبها السيوف الحداد ، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد ، فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذاذة والراحة . وصنف عقولهم مضيئة بما